أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام

أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام (13 رجب سنة 23 قبل الهجرة - 21 رمضان سنة 40 هـ)، هو الإمام الأول عند الشيعة. صحابي، وراوي، وكاتب للوحي، ورابع الخلفاء الراشدين عند أهل السنة. ابن عم النبي الأكرم(ص) وصهره. زوج السيدة فاطمة(ع)، وأبو الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام. أنه ولد في الكعبة، وهو أول رجل آمن بالنبي(ص).

الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام
NUR02338.jpg
اللقبأمير المؤمنين، ويعسوب الدين، وحيدر، والمرتضى، وزوج البتول، سيف الله المسلول، والوصي
الأبابوطالب(ع)
الولادة13 رجب ثلاثین من عام الفیل
محل الولادةالکعبة
بلد الولادةمکة
تاريخ الشهادة21 رمضان سنة 40هـ
المدفننجف الاشرف
اسم الزوجةفاطمة(س)
رقم المؤلفAUTHORCODE02338AUTHORCODE

وليد الكعبة

ولد الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب المبارك، قبل البعثة باثنتي عشرة سنة.

و قد تواترت الأخبار أن أمه فاطمة بنت أسد ولدته في جوف الكعبة، و قد صرح كثير من علماء السنة بذلك.

قال ابن الصباغ المالكي: «ولد علي بمكة المشرفة بداخل البيت الحرام... و لم يولد في بيت الله الحرام قبله أحد سواه و هي فضيلة خصّه الله تعالى بها إجلالاً له و إعلاءً لمرتبته و إظهاراً لكرامته».

قال المفيد في الإرشاد:

«و لم يولد قبله و لا بعده مولود في بيت الله سواه إكراماً من الله جل اسمه له بذلك و إجلالاً لمحلّه في التعظيم.»

و قال الآلوسي في شرح عينية عبد الباقي:

«و كون الأمير كرم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا و ذكر في كتب الفريقين السنة و الشيعة.»

أبوه عليه‌السلام

أبوه أبو طالب و اسمه عبد مناف و هو أخو عبد الله أبي النبي صلى الله عليه و آله لأمه و أبيه.

و أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلى الله عليه و آله صغيراً و قام بنصره و حامى عنه و ذب عنه و حاطه كبيراً و تحمل الأذى في سبيله من مشركي قريش و منعه منهم و لقي لأجله عناء عظيماً و قاسى بلاء شديداً و صبر على نصره و القيام بأمره حتى إن قريشاً لم تطمع في رسول الله صلى الله عليه و آله و كانت كاعّة عنه حتى توفي أبو طالب و لم يؤمر بالهجرة إلا بعد وفاته.

و كان أبو طالب مسلماً لا يجاهر بإسلامه و لو جاهر لم يمكنه ما أمكنه من نصر رسول الله صلى الله عليه و آله.

أمه عليه‌السلام

أمه عليه‌السلام فاطمة بنت أسد بن هاشم.

في الأغاني: هي أول هاشمية تزوجها هاشمي و هي أم سائر ولد أبي طالب.

و كانت لرسول الله صلى الله عليه و آله بمنزلة الأم. ربي في حجرها و كان شاكراً لبرها و كان يسميها أمي و كانت تفضله على أولادها في البر.

روى الحاكم في المستدرك بسنده أنها كانت بمحل عظيم من الإيمان في عهد رسول الله صلى الله عليه و آله .

سبقت إلى الإسلام و هاجرت إلى المدينة و لما توفيت كفنها رسول الله صلى الله عليه و آله في قميصه و أمر من يحفر قبرها فلما بلغوا لحدها، حفره بيده و اضطجع فيه و قال: اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد و لقنها حجتها و وسع عليها مدخلها فقيل يا رسول الله رأيناك صنعت شيئاً لم تكن تصنعه بأحد قبلها. فقال: ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، أو قال هو أمان لها يوم القيامة، أو قال ليدرأ عنها هوام الأرض. و اضطجعت في قبرها ليوسعه الله عليها و تأمن ضغطة القبر. إنها كانت من أحسن خلق الله صنعاً إلي بعد أبي طالب.

و عاش عليه‌السلام بين أحضان والديه: أبي طالب و فاطمة بنت أسد و ابن عمه محمد صلى الله عليه و آله ، الذي كان دائم التردد على دار عمه فقد كان قبل أن يتزوج - يعيش في بيت عمّه أبي طالب، و كان يجد في هذه الأسرة رعاية الوالد و حنان الأم و أنس الإخوة.

كنيته عليه‌السلام

يكنى عليه‌السلام أبا الحسن و أبا الحسين. و كان يكنى أيضاً بأبي تراب، كناه به رسول الله صلى الله عليه و آله . و قيل: لمّا رآه النبي صلى الله عليه و آله ساجداً معفراً وجهه في التراب أو كان يعفر خديه و هو ساجد فكناه بأبي تراب و كانت هذه الكنية أحب كناه إليه لكون النبي صلى الله عليه و آله كناه بها.

لقبه عليه‌السلام

في الفصول المهمة لابن الصباغ:

لقبه المرتضى و حيدر و أمير المؤمنين و الأنزع البطين و الوصي و كان يعرف بذلك عند أوليائه و أعدائه، خرج شاب من بني ضبة معلم يوم الجمل من عسكر عائشة و هو يقول:

نحن بني ضبة أعداء علي

ذاك الذي يعرف قدماً بالوصي


و فارس الخيل على عهد النبي

ما أنا عن فضل علي بالعمي

و كان يلقب يعسوب المؤمنين و يعسوب الدين. يروى أن النبي صلى الله عليه و آله قال له: «أنت يعسوب الدين و المال يعسوب الظلمة».

و في رواية: «هذا يعسوب المؤمنين و قائد الغر المحجّلين.»

روى هاتين الروايتين ابن حنبل في مسنده و أبو نعيم في حلية الأولياء. و في تاج العروس: «اليعسوب ذكر النحل و أميرها. و في حديث علي: أنا يعسوب المؤمنين و المال يعسوب الكفار، أي يلوذ بي المؤمنون و يلوذ الكفار بالمال كما يلوذ النحل بيعسوبها و هو مقدمها و سيدها...»

النبي(ص) يتكفل عليا(ع)

روى أصحاب السير و التاريخ و المحدثون في كتبهم أن علياً عليه‌السلام قد تربى في بيت النبوة.

فقد التحق علي عليه‌السلام بالنبي صلى الله عليه و آله و هو في مطلع صباه و طفولته. فبعد أن مضت ست سنوات على ولادة علي عليه‌السلام أصيبت قريش بأزمة اقتصادية شديدة و قد شملت بيت أبي طالب حيث كان ذا عيال كثيرة. فرأى النبي صلى الله عليه و آله أن يحمل عن عمه شيئاً من مؤونة عياله فجاء إلى عمه العباس يدعوه إلى أن يشاركه في هذا الأمر و أن يحمل معه عن أبي طالب مؤونة بعض عياله، و قد أجابه عمه العباس إلى هذا فطلبا من أبي طالب ذلك فاستجاب لما عرضا فأخذ العباس جعفراً، و أخذ رسول الله صلى الله عليه و آله علياً عليه‌السلام و كان عمره يومئذ ستة أعوام.

علي(ع) في غار حراء

كان النبي صلى الله عليه و آله يجاور بحراء في كل سنة شهراً فإذا انقضى جواره انصرف إلى مكة و طاف بها سبعاً قبل أن يدخل بيته حتى جاءت السنة التي أكرمه الله تعالى فيها بالرسالة.

و عند ما أشرف وحي السماء المبارك على النبي صلى الله عليه و آله و خاطبه بكلام الله تعالى كان علي عليه‌السلام حاضراً و قد أشار ابن أبي الحديد إلى ذلك في شرح نهج البلاغة.(شرح ابن أبي الحديد، 208/13)

و جاء في الخطبة القاصعة لأمير المؤمنين عليه‌السلام: و لقد قرن الله به صلى الله عليه و آله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم، ليله و نهاره، و لقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علماً و يأمرني بالاقتداء به و لقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه و لا يراه غيري و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه و آله و خديجة و أنا ثالثهما، أرى نور الوحي و الرسالة و أشم ريح النبوة. و لقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه و آله فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنة‌؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي و لكنك لوزير و إنك لعلى خير

علي(ع) أول المؤمنين

لقد بعث النبي صلى الله عليه و آله و هو في الأربعين من عمره، حيث تلقى الوحي الإلهي في غار حراء.

و قد كان علي عليه‌السلام أول من آمن به و صدقه. روى ذلك أئمة الحديث و الحفاظ في مسانيدهم بروايات صحاح كالترمذي (306/5) و البيهقي (206/6) و أبي حنيفة (مسند أبي حنيفه 173) و السيوطي (الجامع الصغير 135/4) و المناوي (فيض القدير 358/4) و منصور علي ناصف (التاج الجامع للأصول 296/3) و غيرهم.

و أورده كذلك أرباب السير و المؤرخون في مصنفاتهم و المفسرون في تفاسيرهم. و قد اختلف في عمره يوم إسلامه فقيل و لعله الأرجح إنه كان في الخامسة عشرة من عمره و قيل بين الثالثة عشرة و الرابعة عشرة و قيل غير ذلك.

على أنه يجدر بنا أن نذكر أن علياً عليه‌السلام لم يدعه الرسول صلى الله عليه و آله إلى الإسلام كما دعا غيره لأن علياً عليه‌السلام كان مسلماً على فطرة الله تعالى و لم تصبه الجاهلية بأوضارها، فهو لم يفاجأ بأمر الدعوة المباركة طالما عاش في كنف رسول الله صلى الله عليه و آله و تفيأ ظلاله.

يقول العقاد: «ولد علي في داخل الكعبة و كرّم الله وجهه عن السجود لأصنامها فكأنما كان ميلاده ثمة إيذاناً بعهد جديد للكعبة و العبادة فيها، بل قد ولد مسلماً على التحقيق إذا نحن نظرنا إلى ميلاد العقيدة و الروح لأنه فتح عينيه على الإسلام و عرف العبادة في صلاة محمد و زوجه الطاهرة قبل أن يعرفها من صلاة أمه و أبيه و جمعت بينه و بين صاحب الدعوة قرابة مضاعفة و محبة أوثق من محبة القرابة فكان ابن عم محمد صلى الله عليه و آله و ربيبه الذي نشأ في بيته و نعم بعطفه و بره...

لقد ملأ الدين الجديد قلباً لم ينازعه فيه منازع من عقيدة سابقة و لم يخالطه شوب يكدّر صفاءه فبحق ما يقال: إن علياً كان المسلم الخالص على سجيته المثلى و إن الدين الجديد لم يعرف قط أحداً أصدق إسلاماً و لا أعمق نفاذاً منه.»

النص عليه يوم الدار

و بعد أن تخطت الدعوة المرحلة السريه و أذن الله عز و جل لرسوله صلى الله عليه و آله بدعوته عشريته الأقربين من بني هاشم أمر علياً عليه‌السلام أن يصنع طعاماً و أن يدعوهم اليه.

ففعل علي عليه‌السلام ما أمره ثم دعاهم و هم أربعون رجلاً و فيهم أعمامه أبو طالب و الحمزة و العباس و أبو لهب و غيرهم من أعمامه و بني عمومته فأحضر علي عليه‌السلام لهم الطعام و وضعه بين أيديهم و بعد أن تناولوا طعامهم بادرهم الرسول صلى الله عليه و آله بقوله:

«يا بني عبد المطلب! إن الله بعثني إلى الخلق كافة و بعثني إليكم خاصة فقال «و أنذر عشيرتك الأقربين» و أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب و العجم و تنقاد لكم بهما الأمم و تدخلون بهما الجنة و تنجون بهما من النار، شهادة أن لا إله إلا الله و أني رسول الله. فمن يجيبني إلى هذا الأمر و يؤازرني عليه و على القيام به يكن أخي و وصيي و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي.»

فسكتوا و لم يتكلم منهم أحد فقام علي عليه‌السلام و كان أصغر الحاضرين سناً فقال: «أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر.»

ثم أعاد عليهم الحديث ثانياً و ثالثاً و في كل مرة لا يجيبه غير علي عليه‌السلام. فلما رأى النبي صلى الله عليه و آله ذلك إلتفت إلى علي عليه‌السلام قائلا: «اجلس فأنت أخي و وصيي و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي»

فقاموا يضحكون و يخاطبون أبا طالب بقولهم: ليهنئك اليوم أن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميراً عليك.

و قد روى هذا الحديث محمد حسين هيكل في الطبعة الأولى من كتابه حياة محمد و لكنه حذف منه كلمة «خليفتي من بعدي» في الطبعة الثانية.

و هكذا بقي علي عليه‌السلام في الأعوام التي قضاها النبي صلى الله عليه و آله في مكّة مع النبي مقتدياً به في الأحوال كلها بحيث لو أراد الكاتب المنصف أن يكتب عن النبي صلى الله عليه و آله ، يرى الحديث عن علي عليه‌السلام مفروضاً عليه، لأنه رافق جميع الأحداث التي مرّت بها الرسالة الإسلامية و التي انتقلت بعد إبلاغ العشيرة إلى الدعوة العامة حيث تزايد عدد المؤمنين، و أخذت قريش تسلك سبيل الإرهاب للرعيل الأول من المؤمنين. فكانت كل قبيلة و كل بيت يتصدى لمن فيه من المؤمنين بالتعذيب و الإضطهاد، و المؤمنون يزدادون ثباتاً و إيماناً بصوت الحق و الهدى.

و بسبب التعذيب الجسدي الوحشي الذي صبّ على المؤمنين كانت هجرة الحبشة التي قادها جعفر بن أبي طالب و الذي استطاع بحكمته إفشال مخطط قريش في إثارة ملك الحبشة على المهاجرين لطردهم من بلاده.

و رأت قريش أنها بعد محاربتها محمداً صلى الله عليه و آله و أصحابه خلال سبع سنوات تقريباً و كأنها تدفع به و بدعوته إلى الإمام فما من بيت إلا و فيه من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه و آله و دعوته و امتد ذلك إلى خارج مكة و حتى إلى خارج الحجاز في الحبشه حيث يقيم فيها عدد من المسلمين في جوار ملك رحيم بهم.

ثم إن قريشاً و إن كانت قد تصدت للسابقين من المؤمنين بالعنف و الاضطهاد إلاّ أنها لم تجرؤ أن تفعل ذلك مع النبي لأن أبا طالب كان يحول بينهم و بينه، و كان يعلن إصراره على التزام جانب رسول الله صلى الله عليه و آله و الذود عنه، مهما غلا الثمن حتى أنهم فشلوا في مفاوضاتهم مع أبي طالب لإقناعه بالتأثير على النبي صلى الله عليه و آله .

علي(ع) في الشِّعب

و بعد أن فشلت كل الأساليب التي استعملوها، اتفقوا على مقاطعة بني هاشم و أتباعهم و حصرهم في مكان واحد و قطع جميع وسائل العيش عنهم إلى أن يتراجع محمد صلى الله عليه و آله و أتباعه أو يموتوا جوعاً و عطشاً.

و دخل بنو هاشم شعب أبي طالب و استمر الحال بهم بما فيهم رسول الله صلى الله عليه و آله و علي بن أبي طالب عليه‌السلام على هذا الحال ثلاث سنين و قد عانوا من شظف العيش و الحرمان و الفاقة ما يدمي القلب و يحزّ في النفس.

و بعد أن تصرمت السنوات الثلاث بعسرها و آلامها و فاقتها و شدتها أخبر رسول الله صلى الله عليه و آله عمه أبا طالب أن صحيفة المقاطعة التي كتبتها قريش قد أتت دودة الأرض على ما فيها من ظلم و قطيعة فأكلتها إلا عبارة (باسمك اللهم).

و لما رجعوا إليها وجدوها كذلك فافتضحوا و خاب سعيهم فاضطروا لفتح الحصار عن بني هاشم.

و في خضم الصراع العنيف الناشب بين الدعوة الإلهية المباركة، و الجاهلية الرعناء، فجع الإسلام بفقد مؤمن قريش أبي طالب - رضي الله عنه - فضاق الأمر بالنبي صلى الله عليه و آله و تراكمت عليه الأحداث و اشتدت قريش في تحديه و إيذائه بعد وفاة ناصره و حاميه و قد صرح رسول الله صلى الله عليه و آله بذلك بقوله: «ما زالت قريش كاعّة عني حتى مات أبو طالب).

و لم يعد في مكة من تهابه قريش و ترعى له حرمة، و لم يجد النبي صلى الله عليه و آله من القبائل التي عرض عليها دعوته تجاوباً و إقبالاً، و لما زار الطائف رفضت ثقيف أن تسمع له أو تقبل منه شيئاً بيد أنه صلى الله عليه و آله استمر في عرض دعوته على الناس من خارج مكة حتى التقى في موسم الحج بنفر من أهل يثرب و فاتحهم بأمر الدعوة فاستجابوا له و لبّوا دعوة الله و عادوا يحملون الكلمة الهادية إلى قومهم.

و في اليوم التالي قدم منهم اثنا عشر رجلاً فبايعوه على الإيمان و حمل الرسالة فأرسل لتعليمهم أحكام دين الله تعالى «مصعب بن عمير» فمكث فيهم سنة كاملة و في موسم الحج حضر منهم إلى مكة وفد كبير يقوده مصعب بن عمير فالتقوا برسول الله صلى الله عليه و آله و بايعوه على النصرة إن هو هاجر إلى بلدهم.

فنزلت آية الهجرة و زحفت مواكب المهاجرين صوب يثرب مخلفين وراءهم المال و الوطن و الأرحام.

الهجرة إلى يثرب

و أدركت قريش بأنه إذا استطاع النبي صلى الله عليه و آله أن يفلت منهم و يلحق بأصحابه و أنصاره الجدد سيصبح أقوى منهم فأخذوا يعدّون العدة للقضاء عليه قبل فوات الأوان فاجتمعوا للتشاور في دار الندوة و توصلوا إلى قرار يفضي باغتيال جماعي لرسول الله صلى الله عليه و آله يتولاه من كل قبيلة رجل منها و يكشف الوحي الإلهي لرسول الله صلى الله عليه و آله أوراق الجريمة التي أجمعت قريش على اقترافها كما تشير الآية الكريمة إلى ذلك: و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين

و لقد أخبر الرسول علياً بما اتفقت عليه قريش من تخطيطها لاغتياله ليلاً و هو على فراشه فبكى علي عليه‌السلام و لما أمره بالمبيت على فراشه رحب بذلك و قال له كما يروي الرواة: «أ و تسلم أنت يا رسول الله إن فديتك بنفسي‌؟»

قال له النبي صلى الله عليه و آله : «نعم، بذلك وعدني ربي»

فرحّب علي بالأمر و تقدم إلى فراش الرسول في تلك الليلة مطمئن النفس، رابط الجأش، ثابت الفؤاد و اتشح ببرده الحضرمي الذي اعتاد أن يتشح به.

و تنص المرويات أن القوم أحاطوا بالدار و جعلوا ينظرون من فرجة إلى المكان الذي اعتاد النبي أن ينام فيه فيرون في الفراش رجلاً فتطمئن خواطرهم إلى وجود النبي.

فلما كان الثلث الأخير من الليل خرج النبي من الدار و هو يتلو قوله تعالى:

و جعلنا من بين أيديهم سداً و من خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ، و لم يشاهده أحد من المشركين.

و عند طلوع الفجر اقتحم المتآمرون دار رسول الله صلى الله عليه و آله لتنفيذ جريمتهم و اتجهوا لغرفته، فوثب علي عليه‌السلام في وجوههم قائلاً: ما شأنكم‌؟

قالوا: أين محمد؟

قال: أ جعلتموني عليه رقيباً؟ أ لستم قلتم نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم.

و ينزل الوحي ليمجد هذا الموقف المبارك من علي عليه‌السلام و هذه التضحية الكبرى بقوله تعالى: و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله و الله رؤوف بالعباد

الهجرة إلى المدينة

و بعد أيام من مسيرة الركب وصل رسول الله صلى الله عليه و آله إلى «قبا» حيث نزل عند كلثوم بن الهدم أحد زعماء بني عمرو بن عوف و هناك أقام رسول الله صلى الله عليه و آله مسجد «قبا» و مكث ينتظر قدوم علي عليه‌السلام، إذ كتب إليه كتاباً يأمره بالمسير إليه. و قد حمل الكتاب أبو واقد الليثي، و حيث إن علياً عليه‌السلام قد أدى ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه و آله قبل هجرته و أعاد الأمانات التي كانت لدى رسول الله صلى الله عليه و آله إلى أهلها فقد عجل بالخروج و معه الفواطم: فاطمة بنت رسول الله و فاطمه بنت أسد و فاطمة بنت حمزة و فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، و قد أمر ضعاف المؤمنين أن يتسللوا ليلاً إلى ذي طوى.

و يذكر المؤرخون أن أبا واقد جعل يسوق الرواحل سوقاً حثيثاً فقال علي عليه‌السلام:

ارفق بالنسوة يا أبا واقد إنهن من الضعائف. قال:أني أخاف أن يدركنا الطلب قال: اربع عليك.

ثم جعل علي عليه‌السلام يسوق بهن سوقاً رفيقاً و هو يقول:

ليس إلا الله فارفع ظنكا

يكفك رب الناس ما أهمكا

... ثم أقبل علي عليه‌السلام (بعد قتله جناحاً و فرار أصحابه و هم ثمانية فرسان أرسلتهم قريش ليحلقوا بعلي عليه‌السلام و يردوه إلى مكة فتغلب عليهم بشجاعته الفائقة) على أيمن و أبي واقد و قال لهما: اطلقا مطاياكما. ثم سافر ظافراً قاهراً حتى نزل ضجنان فلبث بها يومه و ليلته و لحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين فيهم أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه و آله و بات ليلته تلك هو و الفواطم طوراً يصلون و طوراً يذكرون الله قياماً و قعوداً و على جنوبهم حتى طلع الفجر فصلى بهم صلاة الفجر و لم تمض غير أيام قليلة حتى وصل ركب علي و الفواطم إلى قبا فاستقبلهم رسول الله صلى الله عليه و آله و عانق علياً عليه‌السلام.

و بعد مقدم علي عليه‌السلام بيومين ارتحل رسول الله صلى الله عليه و آله و بصحبته علي عليه‌السلام و من معه من المهاجرين إلى المدينة.

و قد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم بقوله تعالى: /«الذين يذكرون الله قياماً و قعوداً و على جنوبهم ... فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم ... فالذين هاجروا و أخرجوا من ديارهم ...»/

و تلى صلى الله عليه و آله : /«و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله...»/

أخو النبي (ص)

و بعد وصول المسلمين إلى يثرب أخذ النبي صلى الله عليه و آله يؤاخي بين مهاجر و أنصاري بهدف أن يشد بعضهم إلى بعض برباط الإسلام و الإيمان و أن ينظم صفوفهم و يجعلهم أخوة في الله.

و لما أتم النبي صلى الله عليه و آله مؤاخاتهم جميعاً بقي علي عليه‌السلام لوحده و لم يؤاخ بينه و بين أحد. فقال له يا رسول الله: «آخيت بين الناس و تركتني»

فقال صلى الله عليه و آله : «إنما تركتك لنفسي، أنت أخي و أنا أخوك».

علي(ع) في الحروب

لقد كانت الهجرة إلى المدينة بداية عهد جديد في تاريخ الإسلام، و تحول الصراع من صراع الأفراد إلى صراع عسكري منظم تقوده قوى جمعتها المصالح و الأهواء لحرب الإسلام باعتباره الخطر الذي يهدد وجودهم الفكري و العملي، لا سيما و أن النبي صلى الله عليه و آله بدأ بإرساء قواعد دولة القرآن و عمل على تحصينها لتكون مناراً يشعّ نور الحق إلى الآفاق فيبدد ظلام الجاهلية.

و إذا تتبعنا تلك المرحلة الدقيقة من عمر الرسالة الخاتمة لوجدنا أن دور علي بن أبي طالب عليه‌السلام فيها لم يرق إليه دور قط، فقد كان له قصب السبق في جميع الغزوات التي وصل عددها إلى 27 غزوة و قد ذكر المؤرخون بطولات علي عليه‌السلام في جميع تلك الغزوات و ذوده عن النبي صلى الله عليه و آله و لم يتخلف عليه‌السلام إلاّ في غزوة تبوك بأمر من النبي صلى الله عليه و آله بعد أن ظهر له صلى الله عليه و آله من المنافقين ما ظهر و أحس بأن بقاءهم في المدينة يشكل خطراً على الدعوه إذا لم يستخلف عليها شخصاً قوياً يحاذرون منه و يخشون بطشه و لم تتوافر هذه النواحي في غير علي عليه‌السلام.

و لما سأله عن ذلك أجابه صلى الله عليه و آله بقوله:

«إنما خلفتك لما ورائي، إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، فأنت خليفتي في أهل بيتي و دار هجرتي و قومي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»

و قد اتفق المؤخرون و المحدثون على أن النبي صلى الله عليه و آله قال لعلي هذه المقالة، و أضاف أحمد في مسنده أنه قال له: «لا ينبغي أن أذهب إلاّ و أنت خليفتي»

و لم يقع قتال في غزوة تبوك فكان بقاؤه فيها أهم للخوف عليها من المنافقين و العرب الموتورين.

ممثل النبي (ص)

لقد ظلت سرايا المسلمين بقيادة الإمام علي عليه‌السلام و غيره تطارد فلول الشرك حتى جاءت السنة التاسعة للهجرة و بدخولها أصبح جهاد رسول الله بالسيف في الجزيرة قد أشرف على نهايته و لم تكد السنة التاسعة تشرف على نهايتها بدخول ذي الحجة حتى أنزل الله على رسوله بعض التشريعات التي تحدد موقفه من المشركين و العهود التي كان قد أبرمها معهم كما يبدو ذلك من الآيات الأولى من سورة «براءة».

فمضى أبو بكر - بأمر النبي صلى الله عليه و آله - بمن معه من المسلمين يشرف على الحج في ذلك العام، و لما انتهى إلى ذي الحليفة نزل الوحي على النبي و أمره بأن يرسل مكانه علي بن أبي طالب و قال له: «لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك»

فأرسل النبي صلى الله عليه و آله علياً و أمره أن يأخذ الآيات من أبي بكر و هو بذي الحليفة فأخذها منه و رجع أبو بكر متسائلاً. فقال النبي صلى الله عليه و آله: «أمرت أن أبلغها أنا أو رجل مني» (روح المعاني للآلوسي، تفسير سورة التوبة جزء 1)

و يبدو من مجاميع الحديث و التاريخ أن إرسال علي في سورة براءة بعد أبي بكر و رجوع أبي بكر إلى النبي و قوله لا يؤديها إلا أنا أو رجل مني و أنا منه، كل ذلك متفق عليه بين المحدثين و المؤرخين و لا خلاف بينهم في شيء من ذلك.

إنما الخلاف في أن أبا بكر هل ذهب في تلك السنة لأداء مهمة كلفه بها النبي بعد أن انتزع منه الآيات من سورة براءة، أم أنه لم يذهب و ترك تبليغ الآيات و الإشراف على الحج لعلي عليه‌السلام‌؟

فأكثر محدثي السنة على أن أبا بكر حج بالناس و كانت مهمة علي تلاوة الآيات و تبليغ المشركين بالبنود الواردة فيها.

صفته عليه‌السلام

ندكر هنا طرفاً من صفته عليه‌السلام في أخلاقه و أطواره و سيرته:

دخل ضرار بن ضمرة على معاوية فقال له: صف لي علياً.

قال: اعفني.

قال: لتصفنه.

قال: أما إذ لا بد من وصفه فإنه كان و الله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً و يحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها و يأنس بالليل و وحشته، و كان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه و يخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن (ما قصر) و من الطعام ما جشب و كان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه و يجيبنا إذا سألناه و يأتينا إذا دعوناه و ينبئنا إذا استنبأناه و نحن و الله مع تقريبه إيانا و قربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم.

يعظم أهل الدين و يقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله و لا ييأس الضعيف من عدله و أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و غارت نجومه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن و هو يقول: يا ربنا، يا ربنا. . . يتضرع إليه ثم يقول: يا دنيا غري غيري، إليّ تعرضت أم إلي تشوفت، هيهات، هيهات، قد بتتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير و خطرك كبير و عيشك حقير. آه، آه، من قلة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق.

فبكى معاوية و وكفت دموعه على لحيته ما يملكها، و جعل ينشفها بكمه و قد اختنق القوم بالبكاء و قال: رحم الله أبا الحسن، كان و الله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذبح ولدها بحجرها فهي لا ترقأ عبرتها و لا يسكن حزنها، ثم خرج.

و في الإستيعاب: ... و كان عليه‌السلام يطوف في الأسواق و يأمرهم بتقوى الله و صدق الحديث و حسن البيع و الوفاء بالكيل و الميزان.

و قال ابن عبد البر في الإستيعاب: كان علي إذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئاً إلاّ قسمه و لا ينزل في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك. يقول: يا دنيا غري غيري. و لم يكن يستأثر من الفيء بشيء و لا يخص به حميماً و لا قريباً و لا يخص بالولايات إلا أهل الديانات و الأمانات و إذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه:

«قد جاءتكم موعظة من ربكم فأوفوا الكيل و الميزان بالقسط و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين. بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين و ما أنا عليكم بحفيظ. إذا أتاك كتابي هذا فاحفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك.»

ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول: «اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقك».

و في الإستيعاب: كان شديد الساعد و اليد و إذا مشى للحرب هرول. ثبت الجنان، قوي، شجاع، منصور على من لاقاه.

و في البيان و التبيين: كم كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب الله و الفقه بالسنة و الهجرة إلى الله و رسوله و البسطة في العشيرة و النجدة في الحرب و البذل للماعون.

و في الإصابة: ربّي في حجر النبي صلى الله عليه و آله و لم يفارقه و شهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: أ لا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، و زوجه بنته فاطمة و كان اللواء بيده في أكثر المشاهد و لمّا آخى النبي صلى الله عليه و آله بين أصحابه قال له: أنت أخي، و مناقبه كثيرة.

و قد تجمعت في صفاته الأضداد. قال الشريف الرضي في مقدمة نهج البلاغة: «و من عجائبه عليه‌السلام التي انفرد بها و أمن المشاركة فيها أن كلامه في الزهد و المواعظ إذا تأمله المتأمل و خلع من قلبه أنه كلام مثله ممن عظم قدره و نفذ أمره و أحاط بالرقاب ملكه، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لا حظّ له في غير الزهادة و لا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت أو انقطع في سفح جبل لا يسمع إلا حسه و لا يرى إلا نفسه و لا يكاد يوقن بأنه كلام من انغمس في الحرب مصلتاً سيفه فيقطع الركاب و يجندل الأبطال ... و هو مع تلك الحال زاهد الزهاد.»

و قال ابن أبي الحديد: «و أمير المؤمنين عليه‌السلام كان أشجع الناس ... و أزهدهم و أبعدهم عن ملاذ الدنيا و أكثرهم وعظاً و تذكيراً بأيام الله و أشدهم اجتهاداً في العبادة و كان مع ذلك ألطف العالم أخلاقاً و أكثرهم بشراً حتى عيب بالدعابة و هذا من عجائبه و غرائبه اللطيفة.»

و الغالب على شرفاء الناس و من هو من أهل بيت السيادة و الرياسة الكبر و التيه، و كان أمير المؤمنين عليه‌السلام لا يشك عدو و لا صديق أنه أشرف خلق الله نسباً بعد النبي صلى الله عليه و آله و قد حصل له من غير شرف النسب جهات كثيرة متعددة و مع ذلك كان أشدّ الناس تواضعاً لصغير و كبير و ألينهم عريكة و أبعدهم عن كبر في زمان خلافته و قبلها، لم تغيّره الإمرة و لا أحالت خلقه الرياسة، و كيف، و لم يزل رئيساً أميراً.

قال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم: تذاكروا عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل خلافة أبي بكر و علي فأكثروا، فرفع رأسه إليهم و قال: قد أكثرتم، إن علياً لم تزنه الخلافة و لكنه زانها.

و الغالب على ذوي الشجاعة و قتل الأنفس أن يكونوا قليلي الصفح ... و كان أمير المؤمنين عليه‌السلام مع شجاعته كثير الصفح و العفو و قد رأيت فعله يوم الجمل.

و قول بعضهم: ظهر بقتل عمار أن الحق كان مع علي عليه‌السلام، فيه من التجاهل بالحقائق ما لا ينقضي منه العجب. أ فكان قول النبي صلى الله عليه و آله: «عمار تقتله الفئة الباغية» أشهر و أعرف عند الناس من قوله صلى الله عليه و آله : «علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه كيفما دار، يا علي حربك حربي و سلمك سلمي، يا علي من أبغضك فقد أبغضني و من سبك فقد سبني». و أمثالها مما شاع و ذاع و رواه الجمهور من الصحابة.

أ لم يكن واحد من هذه الآثار كافياً في ظهور أن الحق مع علي، فضلاً عن جميعها؟

أ فلم يكن في مبايعة المهاجرين و الأنصار و أجلاء الصحابة له بالمدينة الذين لم يبايع من تقدمه أكثر منهم، دليلاً على أن الحق معه‌؟

و ما أحسن ما قاله بعض العلماء: العجب من قوم يأخذهم الريب لمكان عمار و لا يأخذهم لمكان علي بن أبي طالب.

مناقبه و فضائله(ع)

نبغ في الأزمان على تعاقبها نوابغ يمتازون عن سائر أهل زمانهم و هؤلاء النوابغ يتفاوتون في نبوغهم و صفاتهم التي ميزتهم عمن سواهم، سنة الله في خلقه، و مهما تكثر النابغون في الأزمنة المتطاولة فنابغة الإسلام بل نابغة الكون المتفرد في صفاته الفاضلة و مزاياه الكاملة و اجتماع محاسن الأضداد فيه هو: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام، ربيب أكمل الخلائق، رسول الله صلى الله عليه و آله.

عن المناقب قال النظام: علي بن أبي طالب محنة على المتكلم، إن وفاه حقه غلا، و إن بخسه حقه أساء، و المنزلة الوسطى دقيقة الوزن صعبة المرتقى إلا على الحاذق الدين.

علمه عليه‌السلام

إذا نظرنا إلى علمه وجدناه العالم الرباني الذي يقول على ملأ من الناس «سلوني قبل أن تفقدوني» و من ذا الذي يجرؤ من الناس أن يقول هذا الكلام فوق المنبر على حشد من ألوف الخلق و ما يؤمنه أن يسأله سائل عن مسألة لا يكون عنده جوابها فيخجله فيها.

لا يجرأ على هذا القول إلا من يكون واثقاً من نفسه بأن عنده جواب كل ما يسأل عنه. و هل تنحصر المسألة في علم من العلوم أو ناحية من النواحي، حتى يجرؤ أحد على هذا القول، لا يكون مؤيداً بتأييد إلهي و واثقاً من نفسه كل الوثوق بأنه لا يغيب عنه جواب مسألة مهما دقت و أشكلت. إن هذا المقام يقصر العقل عن الإحاطة به.

و يؤتى عمر بامرأة ولدت لستة أشهر فيهمّ برجمها، فيقول له علي: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك: إن الله تعالى يقول «و حمله و فصاله ثلاثون شهراً» و يقول «و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين» فإذا كانت مدة الرضاع حولين كاملين و الحمل و الفصال ثلاثون شهراً كانت مدة الحمل فيها ستة أشهر.

فثبت الحكم بذلك و عمل به الصحابة و التابعون و من أخذ عنهم إلى يومنا هذا.

و يؤتى عمر بمجنونة زنت فيأمر بجلدها فيقول له إن النبي قد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق فيقول: فرج الله عنك لقد كدتُ أهلك في جلدها.

و يؤتى عمر بحامل قد زنت فيأمر برجمها فيقول له هب أن لك سبيلاً عليها، أيّ سبيل لك على ما في بطنها؟ احتط عليها تلد فإذا ولدت و وجدت لولدها من يكفله فأقم عليها الحد فيقول عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن.

و يجيء أبو الأسود الدؤلي فيخبره بأنه سمع من يلحن في القرآن فيضع له أصول علم النحو في كلمات معروفة و يقول له: انح هذا النحو، فيزيد عليها أبو الأسود و تضبط لغة العرب بعلم النحو إلى اليوم.

شجاعته عليه‌السلام

و قد ضربت بها الأمثال و قد أنسى ذكر من كان قبله و محا اسم من يأتي بعده.

و كفى في ذلك أنه ما فرّ في موطن قط و لا ارتاع من كتيبة، و لا بارز أحداً إلا قتله و لا ضرب ضربة قط فاحتاجت إلى ثانية و كانت ضرباته وتراً.

و كان ينيمه أبوه و هو صبي أيام حصار الشعب في مرقد رسول الله صلى الله عليه و آله فينام فيه مواجهاً للخطر طيبة بذلك نفسه.

و ظهرت شجاعته الفائقة في مبيته على الفراش ليلة الغار موطّناً نفسه على الأخطار غير هياب و لا حزين و النفر من قريش محيطون بالدار ليفتكوا بمن في الفراش.

و في يوم بدر قتل الوليد بن عتبة و شرك في قتل عتبة و قتل جماعة من صناديد المشركين حتى روي أنه قتل نصف المقتولين أو أزيد من النصف بواحد و قتل باقي المسلمين مع الملائكة المسومين النصف الثاني.

و في يوم أحد قتل أصحاب اللواء جميعهم على أصح الروايات و هم سبعة أو تسعة و انهزم بقتلهم المشركون و لو لا مخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه و آله لتم النصر للمسلمين و جميع من قتل يوم أحد من المشركين 28 ، قتل علي منهم 18 رجلاً.

ثم لما انهزم المسلمون إلا قليلاً منهم، ثبت مع النبي صلى الله عليه و آله فحامى عنه و كلما أقبل إليه قوم ندبه النبي إليهم فيفرقهم و يقتل فيهم حتى عجب منه جبرائيل و قال يا رسول الله إن هذه لَلمواساة و نادى:

«لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي»

و في الخندق لما طلب عمرو بن عبد ود المبارزة، جبن المسلمون كلهم و سكتوا كأنما على رؤوسهم الطير، فجعل عمرو يؤنبهم و يوبخهم و النبي صلى الله عليه و آله يقول: «من لعمرو؟ و قد ضمنت له على الله الجنة.» فلم يقم إليه أحد إلا علي.

و في يوم خيبر كان علي عليه‌السلام أرمد لا يبصر سهلاً و لا جبلاً. فلذلك بعث النبي صلى الله عليه و آله اثنين غيره من المهاجرين فرجعا منهزمين، أحدهما يجبن أصحابه و يجبنونه و الآخر يؤنب أصحابه و يؤنبونه.

فقال النبي صلى الله عليه و آله : لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله و رسوله و يحبه الله و رسوله، كراراً غير فرّار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه. فأعطى الراية علياً فقتل مرحباً و اقتلع باب الحصن و جعله جسراً على الخندق و كان يغلقه 20 رجلاً.

و في غزوة حنين ثبت مع النبي صلى الله عليه و آله و قد هرب الناس غير عشرة، تسعة منهم من بني هاشم هو أحدهم و قتل علي أبا جرول و أربعين من المشركين غيره و انهزم المشركون بقتله و قتلهم.

حلمه عليه‌السلام

كان عليه‌السلام أحلم الناس. و كفانا لإثبات بلوغه أعلى درجات الحلم، حلمه عن أهل الجمل عموماً و عن مروان بن الحكم و عبد الله بن الزبير خصوصاً، فقد ظفر بمروان يوم الجمل و كان أعدى الناس له فصفح عنه و كان عبد الله بن الزبير من أعدى الناس له و كان يشتمه على رؤوس الأشهاد فأخذه يوم الجمل أسيراً فصفح عنه و قال اذهب فلا أريتك، لم يزده على ذلك.

و ظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة و كان له عدواً فأعرض عنه و لم يقل له شيئاً و لم يعاقب أحداً من أهل الجمل و أهل البصرة و نادى مناديه ألا لا يتبع مولّ و لا يجهز على جريح و لا يقتل مستأسر و من ألقى سلاحه فهو آمن و تقيّل سنة رسول الله صلى الله عليه و آله يوم فتح مكة.

و لما ملك عليه أهل الشام الشريعة و منعوه و أصحابه من الماء ثم ملكها عليهم، قال له أصحابه: امنعهم كما منعونا. فقال: لا، و الله لا أكافيهم بمثل فعلهم.

و كان يوصي جيوشه أن لا يتبعوا مدبراً و لا يجهزوا على جريح.

عدله عليه‌السلام

لم يجد له في العدل مشابهاً. قال ابن الأثير في أسد الغابة: «إن زهده و عدله لا يمكن استقصاؤهما و كان يساوي بين الناس في العطاء و يأخذ كأحدهم.»

فصاحته عليه‌السلام

كان إمام الفصاحة و سيد البلغاء. و حسبك أن يقال في كلامه إنه بعد كلام الرسول صلى الله عليه و آله ، فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق.

و قال عدوه معاوية: «و الله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره».

زهده عليه‌السلام

و إذا نظرنا إلى زهده في الدنيا، أخذنا العجب و البهر من رجل في يده الدنيا كلها عدا الشام: العراق و فارس و الحجاز و اليمن و مصر، و هو يلبس الخشن و يأكل الجشب مواساة للفقراء و يقول: يا دنيا غري غيري...

و يفرق جميع ما في بيت المال ثم يأمر به فيكنس ثم يصلي فيه رجاء أن يشهد له.

و ما شبع من طعام قط. و قد بلغ من زهده في الدنيا أن تكون الدنيا عنده أهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، كما في بعض كلامه و أن تكون الإمرة عنده لا تساوي نعلاً قيمتها ثلاثة دراهم إلا أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً كما قاله لابن عباس و هو سائر إلى البصرة.

الجود و السخاء

كان أسخى الناس، و قال عدوه معاوية: لو ملك بيتاً من تبر و بيتاً من تبن لأنفق تبره قبل تبنه.

و لم يخلف ميراثاً و كانت الدنيا كلها بيده عدا الشام. و لم يعمل بآية النجوى غيره.

و أعتق ألف عبد من كسب يده و لم يقل لسائل «لا» قط.

حسن الخلق

يضرب به المثل في حسن الخلق حتى عابوا به عليه لما لم يجدوا فيه عيباً.

الرأي و التدبير

كان أصوب الناس رأياً و أحسنهم تدبيراً، فهو الذي أشار على عمر بوضع التاريخ للهجرة و أشار عليه أن لا يذهب بنفسه في غزو الفرس فقبل عمر ذلك.

العبادة

كان أعبد الناس و كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده، و فى الأدعية المأثورة عنه كفاية.

و كان زين العابدين عليه‌السلام على ما هو عليه من العبادة يستصغر عبادته في جنب عبادة جده أمير المؤمنين عليه‌السلام.

و كان يقضي ليله بالصلاة و العبادة و التضرع و الابتهال و الخضوع إلى الله تعالى.

تعداد المناقب

تعداد مناقبه و فضائله عليه‌السلام كثيرة ينبو عنها الحصر و عظيمة يضيق بها الوصف و يقصر دونها الفكر.

و قد ألفت في فضائله و مناقبه التي اختص بها و امتاز بها عن سائر الصحابة مؤلفات كثيرة عدى ما أودع في مضامين الكتب التي لا تحصى.

منها كتاب خصائصه للنسائي، و كتاب خصائصه للحافظ أبي نعيم الأصفهاني، و كتاب خصائصه لأبي عبد الرحمن السكري، و كتاب ما نزل فيه من القرآن للحافظ أبي نعيم الأصفهاني.

لقد وتر العرب في حروبه مع النبي صلى الله عليه و آله و قتل صناديدها و رؤساءها فأورث ذلك الأضغان و الأحقاد عليه في قلوبها.

و تلا ذلك ما كان في دولة بني أمية نحواً من ثمانين سنة أو أكثر من إظهار بغضه و عداوته و لعنه على المنابر و الاجتهاد في كتمان فضائله و منع أحد أن يسمى باسمه و يكنى بكنيته.

فنرى كثيراً من الناس لا يستطيع أن يسمع له فضيلة أو منقبة، و مع كل هذا و ذاك و جميع ما هناك، فقد انتشر من مناقبه و فضائله و مآثره و جليل صفاته و أفعاله ما تواتر نقله و استفاض و ملأ الدفاتر و الأسفار و انتشر في جميع الأقطار و الأعصار و لم يجد محاول إنكاره سبيلاً إلى الإنكار، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل:

«ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب و هذا يكاد يلحق بالمعجزات و الآيات الباهرات، و العادة جارية بأن من كانت هذه حاله يخمل ذكره و يخفى أمره و لا يذكره ذاكر بخير.»

و قد شاع الخبر عن الشعبي أنه كان يقول: لقد كنت أسمع خطباء بني أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه‌السلام - على منابرهم و كأنما يشال بضبعه إلى السماء و كنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم و كأنهم يكشفون عن جيفة.

و إلى ذلك أشار من قال:

«ما أقول في رجل أخفى أولياؤه فضائله خوفاً و أعداؤه حسداً و ظهر من بين ذين ما ملأ الخافقين.»

و حكى ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي:

«قد صحّ أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي و عاقبوا ذاكر ذلك و الراوي له حتى أن الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه فيقول عن أبي زينب قال، فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة و الاستفاضة و كثرة النقلة إلى غاية بعيدة لانقطع نقلها للخوف و التقية من بني مروان مع طول المدة و شدة العدوان و لو لا أن للّه تعالى في هذا الرجل سراً يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث و لا عرفت له منقبة.

و قال الشعبي: ما ندري ما نصنع بعلي بن أبي طالب، إن أحببناه افتقرنا (أي لمعاداة الناس لنا) و إن أبغضناه كفرنا.

و نحن نذكر طرفاً من فضائله و مناقبه من دون استقصاء فإن ذلك يحتاج إلى عدة مجلدات، و هي على أنواع:

1 - أنه ربي في حجر رسول الله صلى الله عليه و آله و تأدّب بآدابه و تخلّق بأخلاقه و اهتدى بهداه و اقتدى به في أقواله و أفعاله و لازمه طول حياته عليه‌السلام.

2 - السبق إلى الإسلام و عدم السجود لصنم قط.

عن ابن عباس قال: لعلي، أربع خصال ليست لأحد غيره. هو أول عربي و عجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه و آله ، و هو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، و هو الذي صبر معه يوم فرّ عنه غيره، و هو الذي غسله و أدخله قبره.

3 - جمع النبي صلى الله عليه و آله خاصة أهله و عشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام فعرض عليهم الإيمان و استنصرهم على أهل الكفر و العدوان و ضمن لهم على ذلك الحظوة في الدنيا و الشرف و ثواب الجنة، فلم يجبه أحد إلاّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام، فنحله بذلك تحقيق الأخوة و الوزارة و الوصية و الوراثة و الخلافة، و أوجب له به الجنة. و ذلك في حديث «الدار» لما نزل «و أنذر عشيرتك الأقربين» و لو لا نصرته لم تثبت الملة و لا استقرت الشريعة...

4 - مبيته عليه‌السلام على الفراش، ليلة الغار و فداؤه النبي صلى الله عليه و آله بنفسه (لما اجتمع المشركون في دار الندوة، عملاً برأي أبي جهل).

5 - إقامة النبي صلى الله عليه و آله له مقامه يوم الهجرة في أداء أماناته و ردّ ودائعه و قضاء ديونه و حمل الفواطم إليه إلى المدينة و لم يأتمن غيره لما علم من أمانته و شجاعته و كفاءته عليه‌السلام. (و قد كان النبي صلى الله عليه و آله أمين قريش على ودائعهم)

6 - المؤاخاة بينه عليه‌السلام و بين رسول الله صلى الله عليه و آله مرتين.

و في خصائص النسائي عن علي عليه‌السلام: «أنا عبد الله و أخو رسول الله و أنا الصديق الأكبر»

7 - أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه و آله في المواقف كلها.

و الراية هي العلم الأكبر، و اللواء دونها. و في المصباح: لواء الجيش علمه و هو دون الراية.

8 - الشجاعة، و امتيازه بها و تفوقه فيها ملحق بالضروريات. و لما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما قال له عمرو: لقد أنصفك. فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم، أ تأمرني بمبارزة أبي الحسن و أنت تعلم أنه الشجاع المطرق، أراك طمعت في أمارة الشام بعدي!

9 - القوة، و حسبك قلع باب خيبر و جعله جسراً على الخندق.

10 - الجهاد في سبيل الله.

11 - الحلم و الصفح.

12 - الفصاحة و البلاغة.

13 - العلم.

14 - قول النبي صلى الله عليه و آله : «أنا مدينة العلم و علي بابها...»

15 - أنه لم يقل أحد «سلوني قبل أن تفقدوني» غيره عليه‌السلام.

16 - عنده علم القرآن و التوراة و الإنجيل.

17 - معرفة القضاء و الفرائض.

18 - نزول «و تعيها أذن واعية» في حقه عليه‌السلام.

19 - الزهد في الدنيا.

20 - العبادة.

21 - العدل.

22 - السخاء و الجود و نزول «آية النجوى» في حقه عليه‌السلام.

23 - حسن الخلق.

24 - حسن الرأي و التدبير.

25 - سياسة الملك و الخشونة في ذات الله.

26 - أنه ولي كل مؤمن.

27 - قول النبي صلى الله عليه و آله : «من كنت وليه فإن علياً وليه».

28 - حديث المنزلة و هو قوله صلى الله عليه و آله : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

29 - قول سعد، ثلاث كن لعلي لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم.

30 - حديث الكساء و آية التطهير.

31 - تصدقه بخاتمه و هو في الصلاة و نزول / «إنما وليّكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون» /.

32 - خبر سدّ الأبواب إلا باب علي عليه‌السلام

33 - آية المباهلة

34 - حديث الطائر المشوي

35 - أنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه و آله

36 - قوله صلى الله عليه و آله : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، في حديث الغدير.

37 - قوله صلى الله عليه و آله : علي مني و أنا منه.

38 - قوله صلى الله عليه و آله : «علي كنفسي».

39 - قوله صلى الله عليه و آله : «من سب علياً فقد سبني».

40 - أن حبه حب رسول الله صلى الله عليه و آله و بغضه بغضه و أذيته أذيته.

41 - أن طاعته طاعة رسول الله صلى الله عليه و آله و معصيته معصيته.

42 - أن مفارقته مفارقة رسول الله صلى الله عليه و آله .

43 - أنه مع القرآن و القرآن معه.

44 - قوله صلى الله عليه و آله : «اللهم أدر الحق معه حيث دار».

45 - قوله صلى الله عليه و آله : «هذا وليي و المؤدي عني».

46 - اختصاصه بتأدية «براءة».

47 - تزويجه بفاطمة سيدة نساء العالمين و لولاه لم يكن لها كفو و قوله صلى الله عليه و آله للزهراء عليها السلام: «ما أنا زوجتك بل الله تولى تزويجك». و انحصار نسل رسول الله صلى الله عليه و آله في أولاده.

48 - مدح محبه و ذم مبغضه عليه‌السلام

49 - أن حبه و بغضه يفرق بهما بين المؤمن و المنافق

50 - دخوله عليه‌السلام على رسول الله صلى الله عليه و آله كل يوم و كل ليلة سحراً يتعلم منه.

51 - أنه إذا سأل رسول الله صلى الله عليه و آله أجاب و إذا سكت ابتدأه.

52 - أن مثله مثل عيسى بن مريم عليه‌السلام.

53 - شبهه بالأنبياء عليهم السلام

54 - قوله صلى الله عليه و آله : «إنه أمير المؤمنين و سيد المسلمين و خاتم الوصيين و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين».

55 - قوله صلى الله عليه و آله له عليه‌السلام: «إنك سيد العرب».

56 - قوله صلى الله عليه و آله له عليه‌السلام:«أنت سيد في الدنيا و الآخرة».

57 - قوله صلى الله عليه و آله :«هذا أمير البررة».

58 - قوله صلى الله عليه و آله لفاطمة عليها السلام: «إن اللّه اطلع إلى الأرض فاختار رجلين، أبا ك و بعلك».

59 - منزلته عليه‌السلام من رسول الله صلى الله عليه و آله و قربه منه.

60 - أنه وارث علوم رسول الله صلى الله عليه و آله .

أدلة إمامته(ع)

و هي كثيرة نذكر منها:

1 - وجوب العصمة في الإمام بالدليل الذي دل على وجوب العصمة في النبي.

2 - حديث الدار.

3 - النص على إمامته من النبي صلى الله عليه و آله يوم الغدير حين رجع من حجة الوداع و نزول / «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته» / و اقترانه بقوله: أ لست أولى بكم من أنفسكم‌؟

فقالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، قرينة على أن المراد من المولى الأولى به من نفسه، و ليست الإمامة شيئاً فوق ذلك.

على أن هذا الاهتمام العظيم من النبي صلى الله عليه و آله بجمع الناس و رفع علي معه بصبعيه لا يناسبه أن يكون الغرض، أن عليهم أن يحبوا علياً.

و ابتداء حديث النبي صلى الله عليه و آله : «كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله و عترتي» ، كالمقدمة لبيان الإمامة و الخلافة من بعده.

و استشهاد علي عليه‌السلام في خلافته جماعة من الصحابة على حديث الغدير.

4 - أنه أفضل الصحابة فيكون هو الإمام لأن تقديم المفضول على الفاضل قبيح، و الدليل على أنه أفضل الصحابة:

(أ) أن الناس إنما تتفاضل بالصفات الحسنة كالعلم و الحلم و الشجاعة و الفصاحة و البلاغة و العدل و محاسن الأخلاق و العبادة و الزهادة و الجهاد و غير ذلك.

أما العلم: فقد كان أعلم الصحابة و كانوا يرجعون إليه في المشكلات و لم يكن يرجع إلى أحد، و كفى في ذلك قول عمر: لو لا علي لهلك عمر، لا يفتين أحد في المسجد و علي حاضر و...

و قوله صلى الله عليه و آله : «أنا مدينة العلم و علي بابها».

و قوله صلى الله عليه و آله : «أقضاكم علي».

و قوله عليه‌السلام: «سلوني قبل أن تفقدوني»

قال تعالى: «أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدّي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون».

و قال: «قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون»

و نبه على أن آدم أحق من الملائكة بالخلافة لأنه أعلم منهم بالأسماء.

و في قصة طالوت: «إن الله اصطفاه عليكم و زاده بسطة في العلم و الجسم»

و أما الحلم و الصفح فقد تقدمت الإشارة إليه.

(ب) حديث الطائر المشوي

(ج) حديث الكساء

(د) ما دل على أنه نفس رسول الله صلى الله عليه و آله في آية المباهلة.

(ه‍) قوله تعالى: / «إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون» / ، حيث نزلت في حق علي عليه‌السلام عند ما تصدق بخاتمه و هو في الصلاة.

فلفظ «الذين آمنوا» و إن كان عاماً، إلا أن المراد به خاص و إرادة الواحد من لفظ الجمع في كلام العرب و في القرآن الكريم غير عزيزة مع دلالة القرينة، كما في قوله تعالى: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم» و المراد نعيم بن مسعود.

و في الكشاف: جيء به على لفظ الجمع و إن كان السبب فيه رجلاً واحداً ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه.

(و) آية التطهير، الدالة على عصمتهم عليهم السلام.

(ز) أحاديث الثقلين الدالة على عصمتهم عليهم السلام لمساواتهم بالقرآن و الأمر بالتمسك بهم كالتمسك بالقرآن و لو كان الخطأ يقع منهم لما صح الأمر بالتمسك بهم.

و أنهم في كل عصر و زمان بدليل أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.

(ح‍) حديث السفينة و باب حطة.

و هو صريح في وجوب اتباعهم و الاقتداء بهم و حرمة اتباع من خالفهم و هو دليل عصمتهم عليهم السلام.

(ط) حديث المنزلة

من القواعد المسلمة أن الاستثناء دليل العموم فيما عدى المستثنى، فقوله صلوات الله عليه: «إلا أنه لا نبي بعدي» يدل على عموم المنزلة و هارون كان وزيراً لموسى و شريكاً له في النبوة و لو عاش بعد موسى لكان خليفة له و لكنه مات في حياته، فعلي عليه‌السلام له منزلة هارون عدى المشاركة في النبوة و المستثنى (عقلاً) هو الأخوة النسبية.

وقعة أحد سنة 3 ه‍

و هي الوقعة التي نزلت فيها الآيات التي عاتب الله المسلمين فيها بقوله تعالى:

/ «إذ تصعدون و لا تلوون على أحد و الرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم و لا ما أصابكم و الله خبير بما تعملون» /

و قوله تعالى:

/«إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا و لقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم»/

و قوله تعالى:

/«و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم»/

و قال الطبري و غيره:

و فر عثمان بن عفان و معه رجلان من الأنصار حتى بلغوا الجلعب، جبلاً بناحية المدينة مما يلي الأعراض فأقاموا به ثلاثاً فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و آله : لقد ذهبتم فيها عريضة.

و قد تميز علي عليه‌السلام في هذه الوقعة (أحد) كغيرها من الوقائع، بأمور لم يشاركه فيها أحد:

1 - أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه و آله فيها، كما كان يوم بدر، و صاحب لواء المهاجرين ثم أعطى اللواء مصعباً فلما قتل أعاده إليه.

2 - قتله أصحاب لواء المشركين و هم سبعة أو تسعة أولهم طلحة بن أبي طلحة الذي كان يسمى كبش الكتيبة لشجاعته و الذي لم يبرز إليه أحد لما برز بعد ما كرر النداء و وبخ المسلمين فبرز إليه الإمام علي عليه‌السلام فقتله.

3 - ثباته مع رسول الله صلى الله عليه و آله و عدم فراره بعد ما فر الناس جميعهم عنه أو أكثرهم و أسلموه إلى عدوه. و بعضهم عاد بسبب ثبات أمير المؤمنين عليه‌السلام.

وقعة الخندق

قال الله تعالى: «إذ جاءوكم من فوقكم و من أسفل منكم و إذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر و تظنون بالله الظنون ...»

و في السيرة الحلبية و غيرها أن عمراً لما عبر هو و من معه الخندق قال: من يبارز؟

فقام علي و قال: أنا له يا نبي الله

قال صلوات الله عليه: اجلس إنه عمرو!

ثم كرر عمرو النداء و جعل يوبخ المسلمين و يقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أ فلا يبرزن إلي رجل‌؟ و قال:

Sو لقد بححت من النداء # بجمعكم هل من مبارز#

إني كذلك لم أزل # متسرعاً نحو الهزاهز#

إن الشجاعة في الفتى # و الجود من خير العزائزS

فقام علي عليه‌السلام و هو مقنع في الحديد و قال أنا له يا رسول اللّه، قال: اجلس إنه عمرو!

ثم نادى الثانية ففعل مثل ذلك، ثم نادى الثالثة فقام علي عليه‌السلام فقال:أنا له يا رسول الله.

فقال صلى الله عليه و آله : إنه عمرو!

فقال عليه‌السلام و إن كان عمراً.

و في رواية، أنه قال له: هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل (و هو اسم واد كانت له فيه وقعة) فقال: و أنا علي بن أبي طالب.

فأذن له و أعطاه سيفه ذا الفقار و ألبسه درعه و عممه بعمامته و قال: «اللهم أعنه» و قال: «إلهي أخذت عبيد ة مني يوم بدر، و حمزة يوم أحد، و هذا علي أخي و ابن عمي فلا تذرني فرداً و أنت خير الوارثين».

و قال ابن أبي الحديد: جاء في الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال ذلك اليوم حين برز إليه: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله»، فبرز إليه علي و هو يقول:

Sلا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز # ذو نية و بصيرة و الصدق منجي كل فائز#

إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز # من ضربة نجلاء يبقى صيتها بعد الهزاهزS

فقال له عمرو: من أنت‌؟

قال عليه‌السلام: أنا علي بن أبي طالب

قال: إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك فارجع.

قال ابن أبي الحديد: كان شيخنا أبو الخير، مصدق بن شبيب النحوي (إذا مررنا عليه بالقراءة في هذا الموضع) يقول: و الله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه بل خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر و أحد و علم أنه إن ناهضه قتله فاستحيا أن يظهر الفشل فأظهر الإبقاء و الإرعاء و إنه لكاذب فيهما.

و قد امتاز الإمام علي عليه‌السلام عن جميع من حضر الخندق بأمور:

1 - مبادرته لحماية الثغرة التي عبر منها عمرو و أصحابه.

2 - مبارزته عمراً و قتله حتى قال رسول الله صلى الله عليه و آله : إن ضربته عمراً تعدل عمل الثقلين. و كانت هي الموجبة لهرب المشركين.

3 - أن قتله عمراً و نوفلاً كان سبب هزيمة المشركين مع ما أصابهم من الريح و البرد.

قال تعالى / «و رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً و كفى الله المؤمنين القتال و كان الله قوياً عزيزاً» /

و روي أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ: «و كفى الله المؤمنين القتال» بعلي، و هي قراءة تفسيرية.

قيادة الأمة

لم يحظ رجل في الإسلام بما حظي به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام من ثناء و تكريم من قبل الرسالة الإسلامية و حثها المتزايد على تقديره و انتهاج سبيله حتى قال أحمد بن حنبل: «ما ورد لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله من الفضائل ما ورد لعلي رضي الله عنه.»

و قد انطوى القرآن الكريم و السنة الشريفة و التاريخ الصحيح على نصوص و روايات تنطق كلها بالثناء على علي عليه‌السلام و وجوب سلوك سبيله و خطه، و هو الذي نزل في حقه من القران الكريم ثلاث مئة آية كما أخرج ابن عساكر عن ابن عباس.

في عهد الخلفاء

لم يقنع الإمام عليه‌السلام بما جرى و ظل مؤمناً بحقه الشرعي في الخلافة و اعتزل الناس و ما هم فيه ستة شهور و لقد استجدت أمور و أحداث خطيرة تتهدد الإسلام و أمته بالفناء فقد قوي أمر المتنبئين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و اشتد خطرهم في الجزيره العربية من أمثال: مسليمة الكذاب و طلحة بن خويلد الأفاك و سَجاح بنت الحرث الدجالة و غيرهم و صار وجودهم يشكل خطراً حقيقياً على الدولة الإسلامية.

و اشتد ساعد المنافقين و قويت شوكتهم في داخل المدينة و كان الرومان و الفرس للمسلمين بالمرصاد.

هذا عدا عن ظهور التكتلات السياسية في المجتمع الإسلامي على أثر بيعة السقيفة.

و لقد تعامل الإمام عليه‌السلام مع الخلافة حسب ما تحكم به المصلحة الإسلامية حفظاً للإسلام و حماية للجماعة الإسلامية من التمزق و الضياع و تحقيقاً للمصالح الإسلامية العليا التي جاهد من أجلها.

و قد رسم الإمام عليه‌السلام ذلك كله في خطبة الشقشقية حيث يقول:

«فسدلت دونها ثوباً و طويت عنها كشحاً و طفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير و يشيب فيها الصغير و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه. فرأيت الصبر على هاتا أحجى فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجا»

و قال في خطبة أخرى:

«لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري و و الله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين و لم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصة»

و قال في كتابه لمالك الأشتر:

«فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى مَحق دين محمد صلى الله عليه و آله فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان، كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل و زهق و اطمأن الدين و تنهنه»

و هكذا كان الإمام علي عليه‌السلام يتصدى لتوجيه الحياة الإسلامية وفقاً لما تقتضيه رسالة الله تعالى في الحقول التشريعية و التنفيذية و القضائية مع أنه قد أقصي عن منصبه.

و يشهد التاريخ على مئات المواقف التي رجع فيها الخلفاء الثلاثة إلى علي حيث وجدوا عنده العلاج الناجع و الحل الأمثل و لم يتركوا استشارته إذا التبست عليهم الأمور و هكذا تجده مرة مرشداً إلى الحكم الإسلامي الصحيح في أمر ما، و مرة تجده قاضياً في شأن من شئون الأمة، و أخرى موجها للحاكم الوجهة التي تحقق المصلحة الإسلامية العليا.

فقد استشاره أبو بكر بغزو الروم الذين كانوا يتهددون الدولة الإسلامية من ناحية الشمال و كان النبي صلى الله عليه و آله يحسب لهم حساباً، و كان أبو بكر قد استشار جماعة من الصحابة فقدموا و أخروا و لم يقطعوا برأي فاستشار علياً في الأمر فقال له: «إن فعلت ظفرت»

فقال أبو بكر: «بشّرت بخير» و أمر أبو بكر الناس بالخروج. (تاريخ اليعقوبي 111/2)

و طالما رجع أبو بكر إلى الإمام عليه‌السلام حينما يقف عاجزاً عن الإجابة على ما يورده السائلون أو يتحير فيه القضاة.

أعوذ بالله من معضلة لا علي لها

و هكذا الحال في عهد عمر، فقد استشاره في أمور الحرب و السلم و الفقه و بداية التاريخ الهجري و غير ذلك و كان الإمام علي عليه‌السلام يشير عليه حتى قال عمر: «أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن.» (السيوطي الدر المنثور 144/3)

و قال أيضاً: «أعوذ بالله من معضلة لا علي لها»

و قال أيضاً:«كاد يهلك ابن الخطاب لو لا علي بن أبي طالب»

يقول العقاد في أعلمية علي عليه‌السلام: «و أحسن الإسلام علماً و فقهاً كما أحسنه عبادة و عملاً، فكانت فتاواه مرجعاً للخلفاء و الصحابة في عهود أبي بكر و عمر و عثمان و ندرت مسألة من مسائل الشريعة لم يكن له رأي فيها يؤخذ به أو تنهض له الحجة بين جميع الآراء.

و قيل لابن عباس: أين علمك من علم ابن عمك‌؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.

و هكذا رجع إليه عثمان في عدة قضايا التبست عليه.

و هكذا كان الإمام علي عليه‌السلام ينهض بالمسئوليات العظيمة في عهد الخلفاء الذين سبقوه و كان دافعه في ذلك الإخلاص للرسالة و حماية المسيرة الإسلامية من الإنحراف.

بيعة الأمة له(ع)

لقد كان عامة المسلمين ينظرون و يتطلعون بلهفة إلى ما وراء تلك الأحداث التي وقعت ضد عثمان و من سيخلفه و بلا شك فإن الأربعة الباقين من الستة أصحاب الشورى كانوا أوفر من سائر الناس حظاً، و كان نصيب الإمام عليّ عليه‌السلام أوفر من نصيب الجميع. و لهذا فقد أجمعت الأمة بعد مقتل عثمان على بيعة الإمام علي عليه‌السلام خليفة لها.

يقول الطبري في تاريخه: «إن أصحاب رسول الله جاؤوه بعد مقتل عثمان فقالوا له: لا بد للناس من إمام و لا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك. فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيراً خيراً من أن أكون أميراً. فقالوا: لا و الله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك و ما زالوا به حتى قبل بيعتهم و لكنه أبى إلا أن تكون في المسجد و يرضى جميع الناس.»

فوقف الإمام علي عليه‌السلام يذيع بيانه و شروطه قائلاً: «و اعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، و لم أصغ إلى قول القائل و عتب العاتب.»

فسارعت الأمة مذعنة لشروطه و مدت إليه البيعة على الطاعة.

و لما تمت البيعة انصرف أمير المؤمنين منذ اليول الأول يجند كل إمكانياته لإصلاح ما فسد من شئون الدولة و كان الواجب يدعوه لمعالجة الأهم فالأهم من المشاكل و هكذا بدأ الإمام علي عليه‌السلام بإزالة صور الانحراف المختلفة التي طرأت على الحياة الإسلامية.

فعالج مشكلة الولاة و حدد مواصفات ولاة الأمر و موظفي الدولة ببيان أصدره عليه‌السلام جاء فيه: «إنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج و الدماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، و لا الجاهل، فيضلهم بجهله، و لا الجافي، فيقطعهم بجفائه، و لا الحائف للدول، فيتخذ قوماً دون قوم، و لا المرتشي في الحكم، فيذهب بالحقوق، و يقف بها دون المقاطع، و لا المعطل للسنة فيهلك الأمة.»

و من أجل ذلك رأينا أمير المؤمنين عليه‌السلام يبادر فوراً إلى عزل الولاة و العمال الذين كانوا سبباً في ظلم الناس و إشاعة الباطل و يعود بالأمة إلى قاعدة المساواة في توزيع العطاء كما كان رسول صلى الله عليه و آله يفعل. ثم يعلن أنه سيعيد المال المغصوب من الأمة إلى بيت المال.

و قد قام الإمام عليه‌السلام بإصلاح الكثير من مرافق الحياة الإسلامية في المال و الحكم و الإدارة و غيرها.

المخالفون

كان الإمام علي عليه‌السلام يعلم أن العدالة الإسلامية التي أراد تطبيقها في حكومته ستكون ثقيلة على نفوس المنتفعين و الوصوليين و الانتهازيين.

كما و أنه عليه‌السلام جابه أكبر مشكلة في تاريخ خلافته ألا و هي الولاة الذين كانوا يحكمون الأقاليم الإسلامية حيث كان أغلبهم جائراً ظالماً و من أبرز هؤلاء معاوية بن أبي سفيان الذي كان والياً على الشام.

و يضاف إلى ذلك أن الكثير ممن لا يريدون الإمام علياً عليه‌السلام قد اتخذوا المطالبة بدم عثمان ذريعة للقيام بوجهه و التأليب عليه مع أن هذه الأطراف لم تكن ترغب في عثمان و كانت تتمنى موته.

كل هذه الأمور و غيرها أدت إلى وقوع ثلاث حروب في عهد الإمام عليه‌السلام لم تدع له مجالاً لكي ينشئ ما أراده من الإصلاحات في المجتمع الإسلامي كما كان يريد.

خروج الناكثين

على الرغم من أن طلحة و الزبير كانا من أشد الناقمين على سياسة عثمان و مع أنهما سبقا الناس في البيعة للإمام علي عليه‌السلام بعد قتل عثمان، فإن الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام عليه‌السلام في الحياة الإسلامية لم تجد هوى في نفسيهما فبدءا في العمل للخروج على الإمام عليه‌السلام و إثارة المسلمين عليه. فكانت حصيلة ذلك فتنة عمياء كبّدت الأمة خسائر فادحة حيث أقنعا عائشة بنت أبي بكر بالخروج معهما إلى البصرة لقيادة عملية المعارضة على الإمام علي عليه‌السلام و جاؤوا هم يرفعون قميص عثمان للمطالبة بدمه.

و قد بذل الإمام عليه‌السلام جهداً كبيراً لتحاشي هذه الفتنة فلم يأل جهداً في بذل النصح لهم و تحميلهم مغبة ما سيكون إذا نشبت الحرب. و لكنهم أبو ا و أصروا على العناد و هكذا تفجر الموقف و اندلع القتال بين المعسكرين.

و يرفع الإمام صوته في جيشه قائلاً: «أيها الناس! أنشدكم الله أن لا تقتلوا مدبراً و لا تجهزوا على جريح و لا تستحلوا سبياً و لا تأخذوا سلاحاً و لا متاعاً.»

و حين أسفرت المعركة عن انتصار ساحق لمعسكر الإمام عليه‌السلام على خصومه أعلن الإمام العفو العام عن جميع المشتركين في حربه. و أعاد عائشة إلى المدينة المنورة معززة مكرمة رغم موقفها منه.

فتنة القاسطين

كان معاوية اكثر الولاة جرأة في حربه لخليفة المسلمين الشرعي، الإمام علي عليه‌السلام.

فما أن تناقلت الأنباء أمر استخلاف الإمام علي عليه‌السلام و نهوضه بأعباء قيادة الأمة حتى فزع معاوية بن أبي سفيان و الذي كان يخطط منذ سنين لأن يكون هو الخليفة إضافة إلى تمتعه بالملك الواسع الذي هو فيه و الذي سيضيع من يديه، لذا حاول أن يدافع عن امتيازاته غير المشروعة و ثرواته بأي ثمن كان، حتى لو أدى ذلك إلى إبادة المسلمين و تدمير الإسلام و إراقة الدماء في كل أنحاء الدولة الإسلامية فالمهم هو الملك و السلطان.

و يلخص ابن أبي الحديد المعتزلي ما بين الإمام علي عليه‌السلام و معاوية بقوله:

«كان معاوية على أس الدهر مبغضاً لعلي عليه‌السلام شديد الانحراف عنه، و كيف لا يبغضه و قد قتل أخاه حنظلة يوم بدر، و خاله الوليد بن عتبة و شرك عمه حمزة في قتل جد معاوية و هو عتبة، و قتل من بني عمه عبد شمس، نفراً كثيراً من أعيانهم و أماثلهم.»

فعزم الإمام عليه‌السلام على التوجه إلى الشام لتصفية المعارضة الباغية التي يقودها معاوية هناك. و سار الإمام علي عليه‌السلام على رأس جيشه، غير أن أنباء مسيرة الإمام عليه‌السلام نحو الشام قد بلغت القاسطين هناك، فقرروا ملاقاة الزحف الإسلامي فتلاقى الجيشان عند نهر الفرات.

و بدأ الإمام ببذل مساعيه لإصلاح الموقف بالوسائل السلمية. و لما لم تلق محاولات الإمام عليه‌السلام لرأب الصدع الذي خلفه معاوية في صف الأمة استجابة، تفجر الموقف بحرب واسعة النطاق استمرت أسبوعين دون هوادة و قد لاحت تباشير النصر لمعسكر الإمام عليه‌السلام و أوشكت القوى الباغية على الانهزام فدبّروا «خدعة المصاحف» فرفعوا المصاحف على رءوس الرماح و السيوف، مما نجم عن تلك الخطة الماكرة تغير جوهري في الموقف العام. و اضطر الإمام لقبول التحكيم و قد جاءت نتائج التحكيم - كما توقع الإمام عليه‌السلام - لصالح البغاة في الشام بسبب موقف أبي موسى الأشعري و هكذا بدأ الأمر يستتب لمعاوية شيئاً فشيئاً.

خروج المارقين

بعد واقعة التحكيم عاد الإمام عليه‌السلام بجيشه إلى الكوفة ففوجئ بخروج طائفة من جيشه يبلغ تعدادها أربعة آلاف، معلنة تمردها على الإمام عليه‌السلام فلم تدخل معه الكوفة، و إنما سلكت سبيلها إلى حروراء فاتخذت مواقعها هناك.

و من الجدير بالذكر أن الفئة التي خرجت على الإمام عليه‌السلام كان قوامها من الفئات التي أرغمته على التحكيم في حرب صفين. و قد كان شعار هذه الفئة و مبررات خروجها «لا حكم إلا لله، لا نرضى بأن تحكم الرجال في دين الله، قد أمضى الله حكمه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم و قد كانت منا خطيئة و زلة حين رضينا بالحكمين و قد تبنا إلى ربنا و رجعنا عن ذلك، فارجع - يقصدون الإمام عليه‌السلام - كما رجعنا، و إلاّ فنحن منك برآء.»

بيد أن الإمام عليه‌السلام أوضح لهم أن الخلق الإسلامي يقتضي الوفاء بالعهد - أي الهدنة لمدة عام - الذي أبرم بين العسكرين قائلاً: «ويحكم! بعد الرضا و العهد و الميثاق أرجع‌؟»

إلا أن المعارضة المارقة لم تصغ إلى توجيهات الإمام عليه‌السلام و استمروا في غيهم و تعاظم خطرهم بعد انضمام أعداد جديدة لمعسكرهم و راحوا يعلنون القول بشرك المنتمين إلى معسكر الإمام عليه‌السلام بالإضافة للإمام - و رأوا استباحة دمائهم.

و لقد كان الإمام عليه‌السلام عازماً على عدم التعرض لهم ابتداء ليمنحهم فرصة التفكير جدّياً بما أقدموا عليه، عسى أن يعودوا إلى الرأي السديد، و لكي يتفرغ كلياً لاستئناف القتال مع البغاة في الشام، بعد فشل التحكيم بعد اللقاء الثاني بين الحكمين حيث تمت خديعة عمرو بن العاص لابي موسى الأشعري التي أدت إلى عدم تحقيق التحكيم.

غير أنهم بدأوا يشكلون خطراً حقيقياً على دولة الإمام عليه‌السلام من الداخل و بدأ خطرهم يتعاظم فقتلوا بعض الأبرياء و هددوا الآمنين فقتلوا الصحابي الجليل عبد الله بن خبّاب و بقروا بطن زوجته و هي حامل مقرب دون مبرر و قتلوا نسوة من طي.

فلما بلغ أمرهم أمير المؤمنين عليه‌السلام أرسل إليهم الحارث بن مرة العبد ي ليتعرف إلى حقيقة الموقف، غير أنهم قتلوه كذلك.

فلما علم الإمام عليه‌السلام بالأمر كرّ راجعاً من الأنبار - حيث كان قد اتخذها مركزاً لتجميع قواته المتجهة نحو الشام - و عند ما اقتربت قواته من المارقين بذل مساعيه من أجل إصلاح الموقف دون إراقة الدماء، و قد نجمت بعض هذه المساعي حيث تفرقوا شيئاً بعد شيء حتى انخفض عددهم إلى أربعة آلاف إذ كان آخر عدد لهم اثني عشر ألفا.

و قد بدأ الباقون منهم بالهجوم من جانبهم على جيش الإمام عليه‌السلام فأمر أصحابه بالكف عنهم حتى يبدأوا بالقتال. فلما بدأ الخوارج القتال، طوقتهم قوات الإمام عليه‌السلام و تحقق الظفر لراية الحق.

و هكذا قضى الإمام عليه‌السلام في حرب النهروان على حركة الذين سبق لرسول الله صلى الله عليه و آله أن سماهم بالمارقين حين أشار إليهم في حديث رواه أبو سعيد الخدري قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: إن قوماً يخرجون، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية.»

استشهاده عليه‌السلام

نقول حول استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام:

بينما كان أمير المؤمنين عليه‌السلام يواصل تعبئة قواته من أجل أن ينهي حركة البغي المستمرة التي يقودها معاوية، كان يجري في الخفاء تخطيط لئيم من أجل اغتيال الإمام عليه‌السلام. فقد كان جماعة من الخصوم قد عقدوا اجتماعاً في مكة المكرمة و تداولوا في أمر حركتهم التي انتهت إلى أوخم العواقب.

فخرجوا بقرارات كان أخطرها قرار اغتيال أمير المؤمنين عليه‌السلام و قد أوكل أمر تنفيذه للمجرم الأثيم «عبد الرحمن بن ملجم المرادي».

و في ساعة من أحرج الساعات التي يمر بها الإسلام و المسيرة الإسلامية و بينما كانت الأمة تتطلع إلى النصر على عناصر البغي و الفرقة التي يقودها معاوية بن أبي سفيان، امتدت يد الأثيم المرادي إلى علي عليه‌السلام فضرب الإمام عليه‌السلام بسيفه و في سجوده عند صلاة الفجر، و في مسجد الكوفة الشريف. و ذلك في صبيحة اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام 40 ه‍ و استشهد ليلة إحدى و عشرين و عمره 63 سنة.

و كانت مدة خلافته (الظاهرية) خمس سنين إلا نحواً من أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر (لانه بويع لخمس بقين من ذي الحجة سنة 35 ه‍).

و لما ضربه ابن ملجم و هو في مسجد الكوفة قال أمير المؤمينن عليه‌السلام:

«فزت و رب الكعبة»

و قد أوصى أمير المؤمينن عليه‌السلام ولده الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام أن يرفق بقاتله و قال: «يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين. ألا لا يقتلن إلا قاتلي. انظر يا حسن إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة و لا تمثلن بالرجل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور. و إن بقيت رأيت فيه رأيي».

و قال للإمام الحسن عليه‌السلام: ابصروا ضاربي أطعموه من طعامي و اسقوه من شرابي.

مقاطع من وصيته(ع)

... أوصيكما بتقوى الله و أن لاتبغيا الدنيا و إن بغتكما و لا تأسفا على شيء منها زوي عنكما و قولا بالحق و اعملا للأجر و كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.

أوصيكما و جميع ولدي و أهل بيتي و من بلغه كتابي بتقوى الله و نظم أمركم و صلاح ذات بينكم فاني سمعت جدكما رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: «صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام».

انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب.

الله الله في الأيتام لا تغبوا أفواههم و لا يضيعوا بحضرتكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: «من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لأكل مال اليتيم النار».

و الله الله في القرآن لا يسبقكم إلى العمل به غيركم.

و الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم...

و الله الله في الفقراء و المساكين فأشركوهم في معايشكم.

و الله الله في النساء و ما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه و آله أن قال: «أوصيكم بالضعيفين: نسائكم و ما ملكت أيمانكم».

... ثم قال: الصلاة الصلاة. و لا تخافن في سبيل الله لومة لائم يكفكم من أرادكم و بغى عليكم.

«و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا الله إن الله شديد العقاب»

و دفن أمير المؤمينن عليه‌السلام في مدينة النجف الأشرف في العراق و مرقده معروف يزوره المحبون من جميع أنحاء العالم.