أَبونواس، الحسن بن هانئ

من ويکي‌نور
أَبونواس، الحسن بن هانئ
الاسم الكاملالحسن بن هانئ؛
الاسماء الاخریأَبونواس، الحسن بن هانئ، أَبوعلی الحسن بن هاني بن عبدالاول بن الصباح الحكمي المذحجي؛
التخلصأَبونواس؛
النسبالقحطاني، الحكمي؛
الأبهاني بن عبدالاول بن الصباح الحكمي المذحجي؛
الولادةح140ق؛
محل الولادةالاهواز؛
بلد الولادةالایران؛
تاريخ الوفاةح198ق؛
المدفنبغداد، مقبرة الشونیزیة؛
الاولادبره؛
الاقرباءابومعاذ، جلبان؛
الدينالاسلام؛
المذهباهل‌السنة؛
المهنةشاعر شهیر؛
المنصبأحد رجال البلاط؛
الحياة العملية
شاعر شهیر؛
الاساتذةیعقوب بن إسحاق الحضرمي، حماد بن زید الأزدي، حماد بن سلمة، یحیی بن سعید بن القطان، معتمر بن سلیمان،البة بن الحباب،الناشئ، یونس بن حبیب النحوي البصري، خلف الأحمر، أبو زی الأنصاري، أبوعبیدة معمر بن المثنی، أبو البیداء ،سفیان بن عیینة؛
المعاصرونمسلم بن الوليد، الحسین بن الضحاک، ابوعمرو بن علاءهرثمة بن أعین، الربیع بن یونس، الهادي العباسي، المهدي العباسي، الأمین بن هارون، القاسم بن هارون، عباس بن ناصح، البطین بن أمیة، دیک الجن، الخصیب بن عبدالحمید، سلیمان بن أبي سهل النوبختي، ابن حُدیج الکندي، الزبیر بن بکار، الفضل بن الربیع، الفضل بن یحیی البرمکي، إسماعیل بن حفص، الفضل بن عبدالصمد الرقاشي، هیثم بن عدي، أبان بن عبدالحمید اللاحقي، أشجع السلمي، داود بن رزین، زنبور بن أبي حماد، أحمد بن روح، أبو العتاهیة، ابن مناذر، أبو الشمقمق، أبو الشیص، الحسین بن الضحاک، مسلم ابن الولید، دعبل الخزاعي، أبو خالد الفارسي، أبوعمرو الشیباني، اللأصمعي؛
التلاميذیوسف ابن الدایة، محمد بن إدریس الشافعي، أحمد بن حنبل، محمد بن جعفر غندر؛
الآثار1- دیوان شعر؛
رقم المؤلفAUTHORCODE34216AUTHORCODE

أَبونُواس، الحسن بن هانئ (ح ۱۴۰-۱۹۸هـ/ ۷۵۷-۸۱۴م)، شاعر شهیر من العصر العباسي.

القسم الأول حیاة وآراء أبي نواس

قلما نجد طیلة تاریخ الأدب العربي شاعراً حظي باهتمام الکتّاب و الباحثین کأبي نواس. فأبعاد حیاته المختلفة، وأشعاره الرائقة البالغة ذروة النبوغ، وإبداعته في الشعر، وطرائفه، و حضور بدیهته، وعلاقاته مع رجال البلاط و الخلافاء العباسیین، والروایات العدیدة حول فساد أخلاقه، کل ذلک دفع الکتّاب القدامی والجدد إلی إبداء آراء حوله هي غایة في التناقض مما أدی إلی ظهور المئات من الکتب و المقالات والرسائل حوله. بل إن شهرته تجاوزت نطاق التاریخ نفسه لتبرز شخصیته محاطة بهالة من الأساطیر في قصص ألف لیلة ولیلة، وأساطیر المناطق الواقعة في أقصی بلدان شمال أفریقیا.


دراسة المصادر

منذ بدایة القرن ۳هـ/ ۹م و حتی الآن، بحث الکثیر من الکتّاب حول حیاة أبي نواس وأخباره وأشعاره دون أن یترکوا أي موضوع تقریباً، فقد وصلنا حشد من الکتب تحت عنوان أخبار أبي نواس ألفت غالبیتها من قبل کتّاب القرنین ۳ و ۴ هـ مثل یوسف بن إبراهیم ابن الدایة، وأبي هفان، و أبي الطیب ابن الوشاء، وابن عمار، و أبي الحسن الشمیشاطي، ولم یصلنا منها سوی کتاب أبي هفان. و رغم أن أبا هفان کان تلمیذاً لأبي نواس، إلا أنه نقل أکثر روایاته عن یوسف ابن الدایة الذي کان یخطأ أحیاناً. وفیما یتعلق بالمستشرقین، فقد ألف فاغنر کتاباً مستقلاً یستحق الاهتمام حول أبي نواس، درس فیه جمیع جوانب حیاته وشعره. ولم یغفل الباحثون الإیرانیون عن فارسیاته، فقد تناول کل من محمدتقي بهار و مجتبی مینوي و علي أشرف صادقي المفردات الفارسیة التي أوردها في أشعاره بالنقد و الدراسة.


نسبه

ذکرت غالبیة المصادر القدیمة أن جده صَباح (رَباح) من موالي الجراح بن عبدالله الحَکَمي (من قبیلة الحکیم بن سعد العشیرة و عامل عمر بن عبدالعزیز سنة ۹۹ هـ في خراسان،ورفعوا نسبه إلی یعرب بن قحطان عن طریق الولاء، و من هنا جاء نسبه الحکمي. وقد افتخر أبونواس نفسه لمرات عدیدة في أشعاره بقبیلة قحطان، وهجا العرب الشمالیین (العدنانیین). ومع ذلک، فقد اعتبر الدصمعي الراویة والنسابة المعروف المعاصر له، نسبه الولائي لقبائل الیمن مختلقاً، فقال: عدّ أبونواس کذباً أصله من موالي قبیلتي الحاء و الحکم. ومع ذلک، فإن البعض من المعاصرین اعتبروا انتسابه إلی قبیلة قحطان قطعیاً وقالوا: إن کون والد أبي نواس سميّ البطل الیمني هانئ بن مسعود، وکون أخیه أبي معاذ سميّ لمعاذ بن جبل الخزرجي، بل و کون جمیع، أو غالبیة أساتذته مرتبطون بشکل ما بالیمنیین، کل ذلک لم یکن عفویاً.


والدینه

کانت والدة أبي نواس جُلبان، أو جُلنار أهوازیة، أو مننهر تیري بروایة أخری. وذکر البعض أن اسم أمه شَحمة. وقد کان والده هانئ إیرانیاً علی قول الأصمعي، أو من أهل الشام من جند مروان آخر خلیفة أموي، وکان قد قدم إلی الأهواز للعمل في الشرطة، وتزوج من جلبان علی ماورد في بعض المصادر.


مسقط رأسه

وتتفق جمیع المصادر تقریباً علی أن مسقط رأس الشاعر کان الأهواز أو إحدی مناطقها (المناذر الکبری، أو المناذر الصغری، أو الجبل المقطوع المعروف براهبان) (ظ: أبوهفان، ابن المعتز، ن.صص؛ الخطیب، ۷/۴۴۸؛ ابن منظور، ن.م، ۱۲). وابن خلکان هو الوحید الذي اعتبر البصرة مسقط رأسه استناداً إلی قول ابن الجراح.


ولادته

وهناک اختلاف في تاریخ ولادته یتراوح بین سنوات ۱۳۶ حتی۱۴۹هـ. ولاتوجد في المصادر و في أشعاره أیة قرینة تساعد علی تحدید تاریخ ولادته بدقة، ویبدو أن روایة تلمیذه یوسف ابن الدایة القاضیة بأن ولادته في ۱۴۰هـ أقرب إلی الصواب بین کل هذه الروایات. واستناداً إلی روایته فإن أبانواس کان یبلغ ۱۰ سنوات عند ما فقد أباه، وأن أمه جلبان أودعته في الأهواز لدی أحد العطارین، ثم أخذته بعد سنتین، أي في الثانیة عشرة من عمره إلی البصرة.


تعرفه علی والبة بن الحباب

کان والبة من جملة من کان لهم تأثیر کبیر في تکوین شخصیة أبي نواس. وتختلف الروایات، بل و تتناقض أحیاناً حول بدء اتصال الشاعر بوالبة، فاستناداً إلی إحدی الروایات فإن أبانواس عندما ذهب من البصرة إلی الأهواز مع أستاذه العطار تعرف علی والبة الذي کان آنذاک یقیم في الأهواز، مقر حکم عمه (أو ابن عمه) أبي بجیر الأسدي النجاشي. وقد ذکر ابن منظور في روایة أخری أن والبة عندما ذهب من الأهواز إلی البصرة رأی أبانواس في سوق العطارین، فولع به، وأخذه معه إلی الکوفة (ن.م، ۱۴-۱۵). وعلی أي حال فإن بدایة تعرف أبي نواس علی والبة کانت في حدود سنة ۱۵۳هـ، وقد کان أبونواس یبلغ من العمر آنذاک ۱۲ سنة. ذکر البعض أیضاً أن أبانواس کان یعرف والبة جیداً قبل أن یتعرف علیه، وأنه کان مولعاً بأشعاره، بل ونقلوا عنه أنه کان ینوي الذهاب إلی الکوفة للالتقاء به، و سماع شعره. وفیما یتعلق بحیاة أبي نواس في الکوفة لایتوفر لدینا سوی رکام من الروایات الممزوجة بالأساطیر تشیر کلها إلی سلوکه المنفلت، والعلاقات المنحرفة لوالبة مع أبي نواس. ویبدو أن إقامة الشاعر في الکوفة لم تدم طویلاً، إلا أن المسلم به أن هذه المدة القصیرة کان لها تأثیر عجیب في حیاة أبي نواس وشخصیته. وعلینا أن نتحری مصدر میله إلی المجون و الغلمان و الخلاعة التي ملأت حیاته کلها في هذه الفترة. فاختلاط الشاعر مع خلعاء مثل مسلم بن الولید (صریع الغواني) و الحسین بن الضحاک، وحضوره في المجالس المشبوهة، وإقباله علی أنواع المجون والخلاعة، کل ذلک بدأ اعتباراً من هذه الفترة. وبالطبع فإن الکثیر من الباحثین المعاصرین حاولوا دون التعمق في الروایات ودون الأخذ بنظر الاعتبار الأوضاع الاجتماعیة آنذاک أن یمحوا هذه الوصمة من حیاة أبي نواس، إلا أن الحقیقة أننا لانستطیع أن نتجاهل الروایات العدیدة التي تکدست في المصادر حول سلوکه المنحرف في هذه الفترة من حیاته. و صحیح أن أکثر هذه الروایات کاذبة وضعها رواة القرنین ۴ و ۵هـ، ولکن مما لاشک فیه أننا لانستطیع أن نعتبرها کلها مختلقة وبعیدة عن الحقیقة: أولاً، لأن أقرب المصادر إلی عصره من قبیل أخبار أبي نواس لأبي هفان الذي نقل أکثر روایاته عن یوسف ابن الدایة تلمیذ أبي نواس مشحونة بمثل هذه الروایات؛ وثانیاً، أغلب هذه الروایات تتفق مع أشعاره التي هي في الحقیقة مرآة لحیاته. واستناداً إلی روایة ابن المعتز، فإن والبة عندما سمع أبیاتاً لأبي نواس خاطب فیها فتاة صغیرة، أدرک موهبته وقریحته الشعریة، وهذا ما دفعه إلی أن یتولی تنشئته. وبالإضافة إلی والبة، فقد کان لأحمد بن إسحاق الخارکي، الشاعر الماجن المعاصر له دور أساس أیضاً في انفلاته، علی مایقول أبونواس نفسه. ونحن لانمتلک معلومات کثیرة حول هذا الشخص، إلا أن ابن المعتز قال عنه نقلاً عن أبي نواس: «ومازال الناس یکاتمون بالمجون ووصف الخمر والحانات ... بالبصرة، حتی نشأ الخارکي فجاهر بالقول في ذلک ولم یحتشم فامتثلنا نحن ما أتی به وسلکنا نحن ذلک». ومهما یکن من أمر فقد أمضی أبونواس مدة مع والبة، وحینما تفجرت قریحته الشعریة طلب منه والبة أن یعیش مع أهل البادیة کي یتعرف أکثر علی اللغة العربیة الأصیلة، فذهب أبونواس مع جماعة من بني أسد إلی البادیة، وأقام سنة فیها، وعندما عاد إلی الکوفة ترک و البة و ذهب إلی البصرة. وبالطبع فإن علاقة الشاعر بوالبة لم تنقطع بالمرة، واستمرت حتی وفاة الأخیر. ولیس معلوماً بالضبط تاریخ دخول أبي نواس البصرة، ولکن یبدو من روایة أبي الأصبع الهذلي أنأبا نواس أقام لفترة في البصرة في بیت أبي عمرو ابن العلاء. وعلی فرض صحة هذه الروایة، فعلینا أن نقول إن تاریخ عودته إلی البصرة کان قبل وفاة أبي عمرو بن العلاء، أي في ۱۵۴هـ. ومع ذلک، فإذا اعتبرنا تاریخ اتصال الشاعر بوالبة سنة ۱۵۲هـ، فسوف لایعود بالإمکان اعتبار مدة إقامته لدی والبة والأعراب أکثر من سنتین في المجموع.


في البصرة، دراسته

کانت إقامة أبي نواس في البصرة علی مرحلتین، الأولی قبل ذهابه إلی البادیة، والثانیة بعده. أما المرحلة الأولی فلم تدم طویلاً، ویبدو أن سنّه في هذه الفترة لم کن یسمح له بأن یشترک في مجالس دروس الکبار و العلماء البارزین. ومع ذلک، فإن بعض الروایات یشیر إلی أن أبا نواس أمضی دراساته الابتدائیة في هذه الفترة. واستناداً إلی روایة ابن المعتز، فعندما اصطحبته أمه من الأهواز إلی البصرة أوکلت أمره هناک إلی الکتّاب، وعلی روایة أخری، قرأ أبونواس أثناء حیاة والده شعر ذي الرمة عند أحد رواة البصرة ویدعی الناشئ. ولکن الدراسة الجادة للشاعر کانت في الغالب في المرحلة التالیة، أي بعد عودته من البادیة، وانفصاله عن والبة. ولذلک أکدت المصادر القدیمة أن نشأته کانت في البصرة.


اساتذته

وتعد البصرة في ذلک العصر من أکبر المراکز العلمیة و لاثقافیة، وکانت تحتضن أبرز علماء ذلک العصر. وقد اختار أبونواس بدوره أبرز العلماء لیس في الشعر والأدب فحسب، بل وفي علوم القرآن و الحدیث والصرف و النحو وأخبار العرب و أیامهم، فقد تلقی قراءة القرآن الکریم من یعقوب بن إسحاق الحضرمي الذي کان من القرّاء العشرة (تـ ۲۰۵هـ) وإمام قرّاء البصرة. وعلی روایة مغال فیها أن أبا نواس عندما أنهی دروسه علیه عدّه أستاذه من أبرز قرّاء البصرة. وأما أساتذته في الحدیث، فهم: ۱. حماد بن زید الأزدي (تـ۱۷۹هـ) الذي کان من أکبر حفّاظ الحدیث؛ ۲. حماد بن سلمة (تـ ۱۶۷هـ) الذي کان من أبرز رجال الحدیث و مفتي البصرة، وأستاذ مسلم صاحب صحیح؛ ۳. یحیی بن سعید بن القطان (تـ ۱۹۸هـ)؛ ۴. معتمر بن سلیمان (تـ ۱۸۷هـ)، محدث البصرة الکبیر وأستاذ أحمد بن حنبل. وقد تلقی النحو من یونس بن حبیب النحوي البصري، وأیام العرب وأخبارهم ونوادرهم من خلف الأحمر و أبي زی الأنصاري و أبي عبیدة معمر بن المثنی أشهر رواة البصرة. واستناداً إلی قول الجاحظ فقد قرأ أرجوزة أبي نخیلة الأسدي لدی أبي البیداء. ورغم أن له في الحدیث أساتذة بارزون، وتطالعنا بین رواته و تلامذته أسماء شخصیات کبیرة، مثل محمد بن إدریس الشافعي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن جعفر غندر، إلا أن الأحادیث التي نقلت عنه لاتتعدی عدد الأصابع، وماهو معروف باسم مسند أبي نواس کان في الظاهر مجموعة من هذه الأحادیث القلیلة التي جمعها شخص شیعي باسم أبي شجاع فارس بن سلیمان الأرجاني. ویبدو من بعض الروایات أن الشاعر کان یعمل نهاراً لتأمین عیشه، ویحضر لیلاً في حلقات الدرس التي کانت تقام في جامع البصرة في العلوم المختلفة. واستناداً إلی أحد الأقوال فقد کان أبونواس یحفظ ۷۰۰ أرجوزة، ویروي عن ظهر قلب أشعار ۶۰ شاعرة عربیة من قبیل الخنساء ولیلی. وذکر ابن عبدربه أیضاً أنه روی ۴ آلاف بیت. ورغم أن هذه الروایات مبالغ فیها، إلا أنها تشیر إلی ذاکرته القویة،وعلمه الواسع.

وقد کان أبونواس محیطاً بعلم الکلام أیضاً، یدلل علی ذلک بعض المصطلحات الکلامیة التي وردت في أشعاره، ولذلک فقد عده البعض من المتکلمین البارزین و قالوا: «کان مذهب إبراهیم النظّام في أول أمره الشرع و انتقل إلی الکلام، ومذهب أبي نواس الکلام وانتقل إلی الشعر».

کما اعتبره البعض فقیهاً، فقال کان أبونواس خلافاً للشافعي فقیهاً غلب الشعر علیه. کما أن بعض أشعار أبي نواس تشیر إلی أنه کان محیطاً بشکل کامل فضلاً عن الفقه و الکلام و الحدیث، بالعلوم التي تسللت آنذاک إلی الحضارة الإسلامیة عن طریق ترجمة الکتب الیونانیة و الهندیة والإیرانیة التي عرفت باسم «علوم الأوائل»، مثل الفلسفة والمنطق والفلک.

وبعد وفاة والبة التحق أبونواس بخلف الأحمر، راوي البصرة المعروف. وقد کان لخلف الذي کان بدوره شاعراً بارزاً، دور کبیر في تنمیة ذوقه الشعري و نضوج و متنانة أشعاره. واستناداً إلی روایة ابن منظور، فعندما استأذن أبونواس خلف الأحمر في أن ینظم الشعر، رفض الأخیر و طلب منه أن یحفظ أولاً ألف مقطوعة من الشعر و مائة أرجوزة. فحفظ أبونواس کل ذلک بعد مدة ثم عاد إلیه، فاختبره أستاذه، وعندما أبلی بلاءً حسناً في هذا الاختبار الذي استغرق أیاماً عدیدة استأذنه نظم الشعر، فرفض خلف في هذه المرة أیضاً، وطالبه نسیان کل ما حفظه. فشق ذلک علی أبي نواس، ومع ذلک فقد کان یحبس نفسه نهاراً في دیر، ویجهد في ذلک حتی استطاع أخیراً أن یمحو من ذاکرته کل ما کان قد حفظه. وحینئذ أذن له خلف إنشاد الشعر. وبالطبع فإننا لانشک في أن هذه الروایة مبالغٌ فیها، و أن الشاعر کان قد نال استحقاق نظم الشعر في فترة اتصاله بوالبة و خصوصاً بعد عودته من البادیة بحیث قیل إن الشاعر المعروف بشاراً (تـ ۱۶۷هـ) عندما کان قد سمع أشعاره قبل ۳ سنوات من هذه الحادثة علی الأقل، دُهش کثیراً إلی درجة أنه أضمر له الحسد. وعلی هذا، فإذا کان تاریخ هذه الادثة صحیحاً فیجب تحدیده بما قبل ۱۷۰هـ، وفي هذه الحالة یمکن القول إن أبا نواس کان یعرف خلف الأحمر قبل وفاة والبة، وإنه کان یستفید من إرشاداته. واستناداً إلی قول، فإن خلف الأحمر کان یکن الحب الکبیر له، و إنه هو الذي اختار له کنیة أبي نواس.


في بغداد

بعد أن اکتسب أبونواس الشهرة وبز نظراءه، غادر البصرة إلی بغداد علّه یستطیعأن یتقرب من کبار البلاط، وینهي إحباطاته بذلک. وتقول روایة: إن سبب خروجه من البصرة أشعار کان قد نظمها في هجو قبیلة نزار، وقیل إنه لجأ إله المهلبیین قبل الخروج من البصرة الی نقذوه من غضب المضریین، وعندما یئس من نصرتهم غادر البصرة، وحینما وصل بغداد هجا البصریین في قصیدة. ومهما یکن من أمر، فإن هذه الروایات تشیر إلی أنه غادر البصرة علی کره منه، و علی قول، فإنه ذهب إلی بغداد عندما کان عمره ینیف علی الثلاثین، وفي هذه الحالة، فإن تاریخ ذهابه إلی بغداد یجب أن یکون في حدود سنة ۱۷۰هـ.


علاقته بالبلاط العباسي

وفیما یتعلق ببدایة علاقته بالبلاط العباسي توجد روایات مختلفة، حیث تفید إحداها بدن هرثمة بن أعین الذي کان یبحث عن ندیم لهارون الرشید، أخذه إلی الخلیفة. وبالطبع فمما لاشک فیه أن أبانواس لم یکن شاعراً مغموراً في هذه الفترة کي یدخل البلاط مصادفة، ویدل بعض الروایات علی أنه کان یعاشر الأشراف والکبار والوزراء المحبین للأدب قبل أن یصبح الشاعر الرسمي للبلاط. واستناداً إلی أحد الأقوال، فقد سجنه الربیع بن یونس (تـ ح ۱۷۰هـ) وزیر الخلیفتین الهادي و المهدي بسبب الأشعار التي کان قد هجا فیها أمه.


في بلاط هارون

وعلی أیة حال، فقد حظي الشاعر بمکانة رفیعة في بلاط هارون حتی إنه أصبح ندیم و مؤدب ابنیه الأمین و القاسم، وقد کان الأمین آنذاک ولي العهد وتأثر کثیراً بشخصیته إلی درجة أنه جعله ندیمه الخاص بعد تسنّمه الخلافة، إلا أنه مالبث أن أخرجه من بلاطه بسبب وقاحته، وقد ارتفع أبونواس في إحدی مدائحه بهارون إلی مقام الألوهیة، ومع کل ذلک، فإن الخلیفة لم یکن یحتمل أحیاناً بعضاً من أشعاره التي کان یتحدث فیها عن الخمرة والجواري الحسان و الغلمان، ولذلک فقد تعرض مرات عدیدة لغضب الخلیفة، بل وأودع السجن، ویبدو أنه قد جُلد في هذه الفترة بسبب أشعاره التي نظمها في وصف الخمرة والتغزل بالغلمان. واستناداً إلی أحد الدقوال فإنه عندما جلد ۳۰ جلدة، قرأ الآیة الکریمة: «وَأَنَّهُم یَقولونَ ما لایَفعَلونَ» (الشعراء/ ۲۶/ ۲۲۶)، ونجا بذلک. ولعل الکتّاب الذین نزهوه عن أي مجون استندوا إلی أمثال هذه الروایة، ذلک لأنه یقول في أبیات: لوکان من قال «ناراً» أحرقت فمه لما تفوه باسم النار مخلوق. وفي مرة هجا العباسة أخت هارون بوقاحة، ویبدو أنه سُجن بسبب ذلک. ونحن نجد أبا نواس و هارون الرشید إلی جانب بعضهما البعض دوماً في مجالس المجون و الخلاعة في قصص ألف لیلة ولیلة، وقد بقي اسمهما خالدین طیلة التاریخ کشخصیتین أسطوریتین، إلا أن علاقاتهما لم تکن تتجاوز علی مایبدو الحد المألوف، فنحن لانجد في أي من المصادر القدیمة إشارة إلی تغلغل أبي نواس في مجالس هارون الخاصة. حتی إن بعضاً من القدماء اعتبروا جمیع ماقیل حول أبي نواس وهارون من نسج خیال العامة، بل أنهم أنکروا بالکلیة دخول أبي نواس بلاط هارون.

وفي نهایة المطاف أغضب الشاعر الخلیفة بمجونه وعدم اکثرائه بالأعراف الأخلاقیة، و کذلک أشعاره الهجائیة اللاذعة إلی درجة أنه لم یفقد مکانته الرفیعة في البلاط فحسب، بل کاد أن یفقد حیاته بسبب ذلک، ویبدو من الأشعار التي نظمها فیما بعد طالباً الصفح من هارون، أن الخلیفة کان قد أهدر دمه. کما أنه هو نفسه أشار بصراحة في أشعار نظمها فیما بعد إلی کساد شعره في بغداد.


رحلاته

وعلی أي حال، فقد اضطر الشاعر لمغادرة بغداد إلی مصر. وقد ذهب إلی مصر عن طریق حمص والشام، وفي هذه الفترة تجاوزت شهرته حدود العراق بحیث إن اسمه لم یکن یتردد علی الألسن في الشام ومصر فحسب، بل وفي أقصی مناطق الأندلس أیضاً، وکان شعراء مثل عباس بن ناصح (تـ۲۳۸هـ) یقصدونه من الأندلس إلی بغداد للقائه. ولذلک فقد کان الشاعر یحظی في کل مدینة علی طریق مصر بإقبال الشعراءو أهل العلم، وعلی سبیل المثال فقد خرج لاستقباله في حمص البطین بن أمیة ودیک الجن، وأمضی الشاعر مدة في دار البطین. ویبدو أنه قضی في هذه الأیام مدة في نصیبین. واستناداً إلی روایة فإن الخصیب بن عبدالحمید حاکم مصر الذي کان هو نفسه قد دعاه لزیارته، لم یستقبله في البدء بسبب دخوله مصر بلباس الشطّار، مع سلیمان بن أبي سهل النوبختي، إلا أنه بمجرد أن سمع أشعاره المدحیة المبالغ فیها اتبهر به إلی حد کبیر، ومنحه الجوائز السنیة. واستناداً إلی أحد الأقوال فقد ثار الناس علی الخصیب خلال إقامة أبي نواس في مصر بسبب الغلاء، وأن أبانواس صعد المنبر في جامع القاهرة، وقام بتهدئة غضب الناس. ویبدو أن اهتمام الخصیب بالشاعر تضاعف منذ ذلک الحین خصوصاً وأن أبا نواس جعله في قصیدة مدحیة مبالغ فیها نظیراً لموسی (ع)، علی أن هذه القصیدة نفسها سببت فیما بعد متاعب کثیرة للشاعر. وبالإضافة إلی مجالس اللهو و الترف التي کانت تجمع أبانواس مع الخصیب في مصر خلال فترة إقامته بها، فقد کان یحضر أیضاً المجالس العلمیة، ویتباحث مع العلماء و الفضلاء. وکان ابن حُدیج الکندي ممن کانوا یعاشرونه في مصر، وقد أنشد أبونواس أشعاراً في هجوه. ویقال إن البعض رووا عنه في مصر دیوان أشعار أبي نواس.

وقد أمضی الشاعر سنة في مصر، ثم عاد إلی بغداد. ویبلغ مجموع الأشعار التي نظمها في مدح الخصیب حوالي ۱۰۰ بیت في ۶ مقطوعات. وله أیضاً أشعار في هجاء الخصیب لاشک في أنه نظمها بعد العودة إلی بغداد استرضاء لهارون. وقد جعل الشاعر من الخصیب في هذه الهجائیات رجلاً بخیلاً و وضیعاً للغایة بحیث کان السبب في أن یتحول في بعض من النصوص القدیمة، مثل گلستان سعدي، إلی رمزٍ للجهل واللؤم.

وبعد أن عاد أبونواس من مصر سافر للحج. وقد کان خلال مدة إقامته في مکة یتلقی العلم في حلقات درس أشخاص مثل سفیان بن عیینة، و یتباحث مع علماء تلک المدینة، ویبدو أن الزبیر بن بکار، الراویة المعروف سمع في هذه الفترة أشعار الشاعر و قام بروایتها.


عوده الی بغداد

وبعد ذلک عاد الشاعر إلی بغداد، ویقال إنه نظم بإشارة من الأسرة النوبختیة قصیدة في مدح هارون معبراً عن ندمه علی مابدر منه، فعفا عنه الخلیفة، وأجازه ۲۰,۰۰۰ درهم، ولکن یبدو أن الخلیفة لم یخلص له المودة أبداً بسبب أشعاره في الخصیب، أولسوء سمعته؛ وتفید إحدی الروایات بأنه سجنه. وعلی حد قول الجهشیاري فقد أولکت إلی الخصیب بن عبدالحمید حکومة مصر بعد سقوط البرامکة، وفي هذه الحالة، لابد أن یکون أبونواس قد ذهب إلی مصر بعد البرامکة، ولکن جاء في روایة عن حمزة الأصفهاني أن أبانواس جعل البرامکة بعد عودته من مصر وسطاء له کي یشفعوا له لدی هارون، وإذا ماصحت هذه الروایة فإن ذهاب أبي نواس إلی مصر کان قبل سقوط البرامکة. کان البرامکة في ذلک العصر في ذروة قوتهم، وکانوا في عداد ممدوحي الشاعر. وفیما یتعلق ببدایة تعرف الشاعر علی البرامکة، فقد قیل إن الأصمعي ذکر في المرة الأولی فضائل الشاعر للفضل بن یحیی البرمکي، وبذلک مهدلارتباطه بالبرامکة. ومع کل ذلک فإن الأسرة البرمکیة لم تسلم من هجائه، فقد کان کثیراًما یعد إلی هجوهم بمجرد أن یتأخروا في منحه الصلة. وعلی قول فقد ضاع الکثیر مما نظمه في مدح البرامکة، وماتبقی من مدائحه لهم في دیوانه لایتجاوز ۵۰ بیتاً. ویبدو أن علاقته بالبرامکة کانت قد تأزمت إلی حد کبیر في الأیام الأخیرة من سلطتهم، ومن الطریف أنه أشار في أبیات له، خاطب فیها الفضل بن یحیی، إلی عدم ثبات حکمهم و زوال سلطانهم، وقیل إن سلطة البارمکة تداعت علی ید هارون في ۱۸۷هـ/ ۸۰۳م بعد مدة قلیلة من نظم هذه الأشعار. استمر أبونواس فيهجو البرامکة حتی بعد سقوطهم، ورأی البعض أن ذلک یعود إلی علاقاته الوثیقة مع الفضل بن الربیع، الوزیر القوي لهارون و العدو اللدود للبرامکة. کان الفضل بن الربیع من أکبر حماته. وقد أشار الشاعر في أشعار له إلی تاریخ تعرّفه علیه، وقد امتد إلی ۲۰ سنة، وصرح بأن الفضل استشفع له مراراً، وأنقذه من السجن، بل و حتی من الموت المبرم أحیاناً. وتفید إحدی الروایات بأنه کان ندیم الفضل في أحد أسفاره للحج. ویبلغ مجموع مانظمه فط مدحه ۱۳۱ بیتاً في ۸ قصائد، عدا المقطوعات القصیرة التي نظمها مخاطباً إیاه في مناسبات مختلفة. کما نظم أشعاراً في مدح ابنیه العباس و محمد. ومن بین أمراء هارون الرشید الآخرین الذین هجاهم أبونواس بشدة إسماعیل بن حفص، وقد هجاه هجواً لاذعاً و مقذعاً في ۱۱ مقطوعة (في ۶۵ بیتاً). وقد أشار أبونواس في بعض أشعاره إلی حادثة اختیار المأمون لولایة العهد في ۱۸۹هـ/ ۸۰۵م. وهذه الإشارة تدل علی أنه کان یقیم في بلاط هارون حتی هذه الفترة علی أقل تقدیر، إلا أن المصادر تذکر أنه سُجن في أواخر خلافة هارون (۱۹۳هـ) بتهمة الزندقة، أو هجاء قبیلة مضر، أو بسبب مانظمه في مدح الخصیب بن عبدالحمید، وأن الأمین أفرج عنه أخیراً بعد موت هارون. ومن المحتمل أنه نظم أبیاتاً في رثاء هارون بعد خروجه من السجن.


في بلاط الأمین

عاشر الأمین أبا نواس لفترة طویلة في مطلع شبابه وولایة عهده، ولذلک فقد تأثر به إلی حد کبیر، وکان یلام لذلک أحیاناً. وبالإضافة إلی ذلک، فقد کان الأمین مثله ذا طبع میال إلی الترف و اللهو، و عندما تولی الخلافة جعله ندیمه الخاص بحیث لم یکن یطیق فراقه لحظة واحدة کما روی أبوهفان، وقد کان الشاعر یلازمه دوماً في مجالس شرب الخمرة ورحلات الصید، وکان یحظی بجوائزه السنیة بسبب مدائحه المبالغ فیها، ویقال إن الشاعر أنشد في أحد مجالس الأمین الخاصة قصیدة مدح نال فهیا إزاء کل بیت منها ۱۰۰ درهم. وفي مرة أخری أمر الخلیفة أن یُملأ فمه لؤلؤاً جزاءً له علی إنشاده بعض الأشعار. وقد نُقلت في المصادر القدیمة قصص لاحصر لها عن مجالس اللهو و المجون التي جمعت بینهما. کانت حیاته في بلاط الأمین من أفضل فترات حیاته، فدعم الخلیفة المطلق له قد أدی إلی انهماکه دون أي خوف في الخلاعة والمجون، بل وأن یدافع عن أسلوب حیاته المنفلتة، فهو «سعید لأنه لم یعرض عن أي إثم، ولایری اللذة والسعادة إلا في ارتکاب الآثام والعمل الحرام». وقد بلغ إفراطه في ذلک حداً بحیث إن أعداء الأمین و خصوصاً أخاه المأمون وجدوا في أعمال الشاعر أفضل مستمسک للدعایة ضد الأمین. وتفید إحدی الروایات أن المأمون أمر بأن یماط اللثام علی منابر خراسان عن فضائح الأمین مع الشاعر و مجالس شربه للخمرة، وأن یحرضوا الناس ضد نظام الحکم. وقد أهاج ذلک الأمینَ إلی حد بعید، وغضب علی الشاعر وسجنه، بل وأمر بقتله حسب إحدی الروایات. ومنذ ذلک الحین منع الأمین الشاعر من شرب الخمرة، ولکن یبدو أن أبانواس، علی الرغم من خشیته الأمین کثیراً، لم یستطع أبداً أن یقلع عن شرب الخمرة، إذ تم إنزال العقوبة علیه عدة مرات بسبب ذلکف بل وکاد أن یفقد حیاته في هذا السبیل.


وفاته

وتدل الأشعار التي نظمها في رثاء الأمین علی أنه کان حیاً حتی موت الأمین (۱۹۸هـ). ومنذ هذا التاریخ لاتتوفر لدینا أیة معلومات عنه، وتفید بعض المصادر أنه مات في السنة نفسها في بغداد، ودُفن في مقبرة الشونیزیة. وقد ذکرت تواریخ أخری أیضاً في الامصادر القدیمة تشیر إلی أن وفاته کانت بین ۱۹۵ و حتی ۲۰۰هـ. وقد جاء في بعض الروایات أنه مات مسموماً علی ید النوبختیین. کانت تربطه مع آل نوبخت علاقات وثیقة، وقد مدحهم، وربما لهذا عده البعض شیعیاً، وکان علی حد قول الجاحظ، یقضي معظم أوقاته لدیهم، وتفید روایة أنه کان من الندماء الخاصین لإسماعیل بن أبي سهل، ومع ذلک، فإنه لم یتورع عن سب هذه الأسرة، فقد هجاها لعدة مرات بکل وقاحة، ویقال إنه عندما هجا أم إسماعیل بن أبي سهل بأبیات مقذعة غضبت الأسرة النوبختیة، وقررت قتله. وجاء في روایة أخری أیضاً أن زنبور الکاتب الذي کان یعادیه نظم شعراً في هجو الإمام علي (ع) و نسبه إلیه، وعندما سمعه النوبختیون، قرروا قتله. ولم تهتم المصادر عامة بهذه القصة، کما أن الأسرة النوبختیة کذّبتها، ونحن نعلم أن هذه الأسرة قد جمعت کل أشعاره و أخباره، و وصلت منهم إلی حمزة الإصفهاني و الآخرین.


امه و بنته

ویبدو أن أمه جلبان کانت ماتزال علی قید الحیاة بعد موته، وتفید إحدی الروایات أنها ذهبت هي وزوجها إلی دار أحد النوبختیین، وأخذا منه ۲۰۰ درهم وصندوقاً یحوي کتباً وبعضاً من الآلات الموسیقیة التي بقیت من أبي نواس. ولم ترد الإشارة في أي من المصادر القدیمة إلی زوجته، أو أبنائه، ولکن و کما توحي بعض أشعاره فقد کانت له ابنة تدعی برَّة وابن لم یُذکر اسمه. وقد مدح في أبیات جمیلة ابنته برّة، واعترف صادقاً أنه لم یکن أباً صالحاً لها، وطلب منها أن لاتبکي علیه بعد موته.


عقائده و آراؤه

إن الروایات العدیدة حول سلوکه الماجن و الخلیع، وبعضاً من أشعاره الموحیة بزندقته، ومجالسته للشعراء الذین لم یکن لهم حظ من الالتزام لابالمبادئ الأخلاقیة ولابالمعتقدات الدینیة من جهة، وزهدیاته، ومکانته العلمیة البارزة في علوم القرآن والفقه والحدیث، والأشعار التي نظمها في وحدانیة الله، والدحادیث التي نقلها عن النبي (ص)، والأشعار التي نسبت إلیه في مدح الإمام الرضا (ع) من جهة أخری، کل ذلک جعل منه شخصیة مزدوجة و متناقضة للغایة حیرت جمیع الکتّاب القدامی و الجدد. و لذلک فقد جعل منه البعض زندیقاً مفسداً، فیما جعل لابعض الآخر منه زاهداً متقیاً. وقد کان قد اتُّهم خلال حیاته بالزندقة، وبکونه من الخوارج، وباعتقاده بالمانویة والثنویة، بل أنه أودع السجن بسبب هذه التهم.

وفي القرون التالیة أکد الکثیر من الکتّاب علی صحة هذه الاتهامات، ومنهم أبوالعلاء المعري الذي قال إنه کان علی مذهب هو غیر المذاهب الشائعة في عصره. کما عده الکثیر من المعاصرین کافراً ملحداً ومانویاً وثنویاً وإباحیاً وشعوبیاً. وإزاء هذا الفریق یعتقد کتّاب آخرون أن الشاعر کان یستند إلی تجاربه الذهنیة في وصف مظاهر المجون و الخلاعة، وأنه لم یرتکب إثماً بشکل عملي، ویرون أن أشعاره الموحیة بالکفر هي من باب التندر و التفکه لاغیر. کما اعتبروه شیعیاً نقي السریرة، بل إنهم بالغوا أحیاناً فعدوه من مشایخ المتصوفة و من کبار الطریقة الباطنیة. ویری فریق آخر أنه کف عن ارتکاب الذنوب في شیخوخته و لزم الزهد، ویرون أن زهدیاته متعلقة بهذه الفترة. ویبدو أن مَن عدوه شیعیاً، استندوا في ذلک إلی الروایات و الإشعار التي نقلها ابن بابویه. وقد جاء في إحدی الروایات أن المأمون عندما اختار الإمام الرضا (ع) لولایة العهد، فنظم جمیع الشعراء أشعاراً في مدح الإمام (ع) سوی أبي نواس، فلامه المأمون (وبروایة أحد النوبختیین)، فأجاب أبونواس ضمن أبیات: «قلتُ لا اهتدي لمدح إمام/ کان جبریل خادماً لأبیه». وبالإضافة إلی ذلک، فقد أشار ابن بابویه في روایتین أخریین إلی التقاء أبي نواس مع الإمام الرضا (ع)، ونقل أبیاتاً له فيمدحه. إلا أن هذه الروایات التي وردت أیضاً في المصادر الشیعیة الأخری، لاتنسجم مع بعض الأحداث التاریخیة والروایات التي وردت في المصادر القدیمة؛ فنحن نعلم أن تولي الإمام الرضا (ع) لولایة العهد کان في ۲۰۱هـ، ولاشک في أن أبا نواس لم یکن علی قید الحیاة آنذاک. ثم إن أیة إشارة لم ترد إلی هذه الإشعار والروایات في دیوانه الذي وصلنا في روایتین مختلفتین، أي روایة أبي بکر الصولي وروایة حمزة الأصفهاني. أضف إلی ذلک أن أبانواس انحاز إلی جانب الأمین في ذروة اختلافاته مع المأمون في بغداد، بل أن وجود شاعر متهم بالکفر والزندقة مثله في بلاط الأمین کان کما مر آنفاً حجة بید المأمون کي یحرض الناس ضده. وفي هذه الحالة فإنه کما قال الصفدي «لوعاش إلی أن یدخل المأمون بغداد لناله منه سوءٌ»، فما بالک أن یجعله شاعره و ندیمه. وبالإضافة إلی ذلک، فإن البعض من علماء الشیعة أیضاً اعتبروا أبا نواس من المخالفین للشیعة، وقد استندوا في ذلک إلی حدیث عن الإمام الهادي (ع) وُصف فیه الشاعر صراحة بأنه: «أبونواس الباطل». وفیما یتعلق بشعوبیته فإن هناک روایات مختلفة أیضاً، ومن جملة الکتّاب القدامی الذین اعتبروه شعوبیاً: ابن عبدربه وابن رشیق. وهناک فریق آخر من المعاصرین ذهبوا المذهب نفسه مستندین في ذلک إلی الأشعار التي هجا فیها بعض القبائل العربیة، وافتخر بالإیرانیین، وإلی میله الشدید للشعوبیین أمثال أبي عبیدة المعمر بن المثنی، وکذلک إلی حقده الدفین للمنحازین إلی العنصر العربي من قبیل الأصمعي. وفي المقابل یری البعض أنه إنما استهزأ في أشعاره بالأعراب وأسلوب حیاتهم البدویة القاسیة التي لم تکن تتلاءم مع طبعه الظریف، لا العرب الحضر، ولذلک فإنهم لایرون ذلک ناجماً عن تعصبه ضد العرب. وعلی الرغم من جمیع هذه الاراء المختلفة حوله، فإننا لانستطیع أبداً أن نعتبر أبا نواس شاعراً ملحداً کافراً، فالاعتقاد بالوحدانیة والنبوة والمعاد مشهود بشکل کامل في أشعاره، إلا أن ماجعل منه شاعراً متعدد الوجوه هو علی مایبدو التزامه واعتقاده بمبدأ کلامي مهم أثار في عصره جدلاً کثیراً بین الفرق المختلفة، و هو مبدأ الغفران الإلهي الذي لاحد ولاحصر له. فالروایات المختلفة عنه وأشعاره وخصوصاً زهدیاته تشیر بوضوح إلی تمسکه الشدید بالعقیدة القائلة «إن الله یغفر کل ذنب»، فکان یبرر جمیع أعماله علی أساس ذلک. ویروي ابن أن الحسن ابن الدایة زار أبانواس في الأیام الأخیرة من حیاته و طلب منه و هو علی فراش المرض أن یعظه، فأنشد أبونواس هذه الأبیات: تکثر ما استطعت من الخطایا فإنک لاقـیاً رباً غـفـورا ستبصر إذ وردت علیه عفواً وتلـقی سیـداً ملکـاً کبیرا تعض ندامة کفیک لما ترکت مخافة النار السرورا ومن الطریف أن جمیع الأحادیث التی نقلها أبونواس عن النبي (ص) تدور حول هذا المبدأ، وأن عفو الله لانهایة له، فهو الذي سوف یغفر لمرتکب الکبائر یوم القیامة. بل أن إحدی الروایات تفید أن نقش خاتم أبي نواس کان شعراً یعبر عن هذا المضمون: «تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته/ بعفوک ربّي کان عفوک أعظما». وعلی أساس هذه النظرة فقد انتقد بشدة الفِرّق التي کانت تحمل آراء متشددة إزاء الکبائر، وقد کان أحد مواضع اختلافه مع المعتزلة وخصوصاً النظّام یتمثل في أن المعتزلة یرون أن مرتکب الکبیرة مخلد في النار إن لم یتب. وهو یخاطب النظّام في قصیده معروفة قائلاً: لاتحظر العفو إن کنت امرأً حرجاً فإن حظرك بالدین إزراء. إن معتقدات أبي نواس في هذا المجال قریبة جداً من فرقة المرجئة، فهم یتسامحون کثیراً فیما یتعلق بالکبائر، ویری فریق منهم أن الإیمان اعتقاد بالقلب و أن من أقر بالإیمان فهو مؤمن، وإن الله یغفر له مهما ارتکب من ذنوب، ومهما کفر. وإذا ماسلمنا ان أبانواس کان یأمل الصفح الإلهي إلی أبعد الحدود، وأنه کان قد وضع هذا المبدأ أساساً لحیاته الفردیة والاجتماعیة، فإننا سوف لانضطر إلی أن نعتبره فاسقاً فاجراً في أوائل حیاته، وزاهداً متقیاً في أواخر عمره، وسوف نجد کذلک تبریراً منطقیاً لانفلاته و مجونه، ذلک لأن هذه النظرة تستوعب کلاً من الإیمان و الکفر، وکلاً من الزهد والمیل إلی الآخرة و اللاأبالیة والانفلات.


أبونواس و معاصروه

کان أبونواس معاصراً لشعراء وعلماء کبار، ومعاصراً للکثیر منهم، ویهاجیهم أحیاناً. ومن الطبیعي أن شاعراً کبیراً مثله لم یکن بإمکانه أن یکون بعیداً عن أجواء التنافس و الخصومة بین الشعراء. وینقل ابن منظور عن محمد بن عمر أنه لم یکن هناک أيّ شاعر في ذلک العصر إلا وأضمر له الحسد. وقد کان الفضل بن عبدالصمد الرقاشي، وهیثم بن عدي، وأبان بن عبدالحمید اللاحقي، وأشجع السلمي، وداود بن رزین، وزنبور بن أبي حماد، و أحمد بن روح من جملة الشعراء الذین تبادلوا الأشعار الهجائیة مع أبي نواس. وقد کانت لأبي نواس علاقات ودیة أیضاً مع شعراء معروفین آخرین مثل أبي العتاهیة و ابن مناذر. ولم یکن أبوالعتاهیة المعروف بتشاؤمه وزهده یطیق طبع الشاعر المیال إلی اللهو و المجون، وکان یذمه بشدة. ومع ذلک،نراهما جنباً إلی جنب في الکثیر من مجالس إنشاد الشعر و اللهو و المجون. وبالإضافة إلی ذینک الشاعرین، فقد کان أبنواس یعاشر شعراء آخرین مثل أبي الشمقمق، وأبي الشیص، والحسین بن الضحاک، ومسلم ابن الولید، ودعبل الخزاعي، وأبي خالد الفارسي. وذکرت المصادر القدیمة حشداً من الروایات حول محافل إنشادهم الشعر، ومجالس مجونهم و خلاعتهم. کما کانت له علاقات مع ثلاثة من الرواة الکبار و هم: أبوعبیدة معمر ابن المثنی، وأبوعمرو الشیباني،واللأصمعي. وفیما یتعلق بعلاقات الشاعر مع النظّام المعتزلي، نُقلت في المصادر أیضاً روایات کثیرة وبعضها مضطرب. وقد جاء في إحدی هذه الروایات أن أبانواس صاحَب النظام في طفولته، وتلقی منه العلم، وأن النظام کان معجباً به کثیراً. ومع أخذ هذه الروایة بعین الاعتبار، فإن عمر النظام لابد و أن یکون أکثر بکثیر من عمر أبي نواس، في حین أن بعض المصادر ذکرت أن ولادة النظام کانت في ۱۶۰ هـ /۷۷۷م. واستناداً إلی أحد الأقوال فقد کان النظّام یسعی من خلال النقاش و الجدل المتواصلین أن یقنع أبانواس باعتناق آراء و معتقدات المعتزلة، إلا أن الشاعر لم یرضخ لذلک أبداً إلی درجة أنه وقف منه موقفاً معارضاً وهجاه. ومع ذلک أشاد النظام بأشعاره لأنها ألهمته بعض آرائه الکلامیة. و علی حد قول النظام فإن أبیاتاً لأبي نواس قد نبهته لشيء کان غافلاً عنه، فوضع کتاباً في الحرکة والسکون. وقد جاء في روایة أخری أن النظام عندما سمع من أبي نواس شعراً کان قد أشار ببیت منه إلی الجزء الذي لایتجزأ، قال لأبي نواس: «منذ دهرنا الأطول نخوض فیه، ماخرج لنا فیها من القول ماجمعته أنت فیه في بیت واحد».


القسم الثاني: شعر أبي نواس

سنحاول في هذا القسم أن ندرس جمیع الجوانب المتعددة لشعر أبي نواس استناداً إلی دیوانه، وذلک لعدة أسباب: ۱. أن أبانواس یمکن اعتباره من بعض الجوانب أبرز شاعر عربي؛ ۲. أنه رائد التجدید في الشعر العربي، وممثل معارضي الشعر العربي القدیم؛ ۳. أنه کان إیرانیاً من جهة الدم و ربما من جهة الدب، وقد تعرف علی بیئتي الاهواز والبصرة بکل ظواهرها الثقافیة الإیرانیة. و حیث إنه کان معجباً بهذه الثقافة، فمن البدیهي أن یمثل شعره عصارة الثقافة الإیرانیة آنذاک، ولذلک، فقد کانوا یعتبرونه أحیاناً شعوبیاً وزندیقاً؛ ۴. أن مضامینه و معانیه المبتکرة في الخمریات و الغزل و المدح و الزهد و ما إلی ذلک، کان لها تأثیر کبیر في الأدب الفارسي (خاصة في رباعیات الخیام). وقد اکتسب الکثیر من هذه المعاني طابعاً عرفانیاً شیئاً فشیئاً، وتجلت في آثار متصوفة إیران؛ ۵. أن حشد من الکلمات الفارسیة التي استعملها أبونواس کانت مدار بحث منذ فترة طویلة.ولتحدید عدد هذه الکلمات و مدی تکرارها و نوعها (معربة، أم فارسیة بحتة)، کان من الواجب دراسة جمیع دیوانه؛ ۶. أننا لایمکننا أن نتوصل إلی نتیجة من خلال دراسة المؤلفات العدیدة التي کتبت حوله. و للوقوف علی التناقضات الروحیة و المادیة التي کانت تعج بهاروحه، فالسبیل الوحید إلی ذلک هو الدراسة المباشرة لدیوانه.

نظرًا لطول المقالة، قمنا بحذف هذا الجزء هنا، ونحيلكم إلى أصل المقالة. [١].

تذييل

  1. ر.ک:فاتحی‌نژاد، عبدالله؛ آذرنوش، آذرتاش، مرکز دائرة المعارف الكبري

مصادر

فاتحی‌نژاد، عبدالله؛ آذرنوش، آذرتاش، مرکز دائرة المعارف الكبري

https://www.cgie.org.ir/ar/article/235816?entryviewid=265293